الغد لا يحلو إلا بالسلام
( فراس الهندي المخادمة )
لم أكن يوماً أجيد فن الوداع ولا احتساء الكلمات الدرامية المؤثرة ولا الوقوف على الأطلال ، بل كنت أفضل البقاء مع الذكريات ﻷرطب من وقت لآخر أيامي وأراقب الصور الباقية من ماض مضى معلقة على جدار الفؤاد بالكلمات توجز كل المحطات الضائعة وكلما هبت من الأمس نسائم الحنين المتبقية من السنوات الغائرة في أفق المدى ، انفردت مع نفسي  كما ينفرد طائر النورس المهاجر إلى أقاصي المعمورة وغزلت من شفق الشوك لهاث المسافات ، لست نبضا يشق عباب الأحلام ويطير عن أرض الواقع بل أنا ركن من أركان مأساة مشاهدتنا اليومية وكمشه من فراغ الهتافات المترنحة على أرجوحة اللقاء ، ف الأيام شاخصة في حضن الزمن ، لا تدور بشكل عامودي وفوانيس الأزمنة محفورة على جدارية التاريخ . أيتها السنة ترحلين بدون شك، شاحبة الوجه، تضاريس بشرتك محفورة بفسيفساء المعاناة اليومية، تزهرين كالأموات الهاربة من القبور الصامتة، تعدين فوق هامات صفراء، معوجه في رحم المسافات، لأنك دخلت عداد الأموات .
عند الثانية عشر ليلاً، نستقبل شقيقتك المولودة صبية عروس، ب الزغاريد ب الظلال الخضراء، نسافر معها نحو الأصل عبر شراع ابيض يلف الشواطئ المنسية في ذاكرتنا، نصطاد الحلم الهارب في كومه من الأصابع الممدودة، نستقبل عروس العام الجديد ، سنة مقبلة في كيسها البالي لمحة أمل للفقراء المعدمين اللاهثين في وحل الأيام ومستنقعاتها عن لقمة عيشهم، عن ستره بالية تحجب عنهم طويل الصقيع  ، تلملم شرود الطفولة المهجرة في شوارعنا، تنقذ الوطن من مجاهل الحرمان وفيض من براثن الغلاء وتشرق من تحت أثوابها البيضاء شمس الحرية لقيامة الأرض المرمية على شاطئ المتوسط .
رتبت كل أوراقي الخصوصية وفتحت نافذة مطلة على بكرا ووقفت أتأمل الشارع والناس هاربون نحو فرح زائف ومطر أبيض يرسم صورة على بلورة نافذتي، تقبلين أيتها الشابة والآتية من أصابع الصبية، على هودج الآمال، تقطفين السنابل والورد ،تخططين دروبا من رش الياسمين الأصفر وزنابق النرجس الأبيض وتمرين فوق قزح البيوت النائمة في عب الليل، تقطفين وهج الأمسيات الهادئة وتسرحين فوق أيديهم . لا تنظرين إليها قد رحلت، لا تودعينها فقد مضت ،ولا تخاطبينها فالكلام على الأموات قيثارة الأوجاع، بل امسحي جبينك من تراب الندى العالق فوق وريقاتها وترحمي يا عروس الأمل عليها.
صور مضت مثل فيلم سينمائي من الأبيض والأسود في مخيلتي والبوم العمر مليء بالأحباء والأصدقاء.
أهلي، ناسي، أصدقائي وصديقاتي وصور وشموع من الأفراح دموعها مكسورة على الحزن وهديل الصمت الساكن أعماقي. غروب وشروق، فرح وحزن، ليل ونهار هي قدرها الرحيل، تعبت من السفر والوقوف على محطة القطار، تعبت من ” الأنا ” المنتصبة حول نافذتي والناس هي هي تعدو مثل فراشات مزركشة في الشوارع، تصور الغد وتحدده.
اليوم لمست ضيق العراق الصامد وأطفاله المقهورين، يوم ضاق صبر العرب وحرارة هذا الوطن فشقت الآداب طريقها من بغداد إلى وسوق عكاظ لتخط في ذاكرتنا الأدبية أروع المخطوطات، ها أنا اليوم بالذات أناديك يا فلسطين يا مهد الولادة وقبة الشهادة، أعانق حجارتك الصامدة في أيدي الأطفال واقبل الأرواح الطاهرة التي غادرتك استنزف بطش الظالمين، القاهرين، الذين صدوا أبواب الحرية في وجه أبنائك وادعو لك بالنصر القريب، لا تسأليني أيتها الزائرة الجديدة التي ولدت من رحم الرزنامة المعلقة فوق حائطي عن أمنياتي وأحلامي، فأنا ربيبة الكلمة المدوزنة على وتر الوفاء ورصيدي كمشة “وفاء” من أوراق نضرة مكتوبة بلون الأفق المتكئ على عتبة النسيان، استقبلك وقلبي مغلق الآمال وقد نذرت العمر للإستقبال ولا الوداع، زرعت الفرح في عيون كما تزرع الشمس الدفء في القلوب، عشقت رحيل ” اللا ” وقبول ” النعم ” وزادت التقوى مساحة في صدري، أيتها الأعياد الآتية بكل المسافات كوني السلام على قرميد يومياتنا وغصون الزيتون، فالغد لا يحلو رونقا إلا بالسلام .
للكاتب ” أديب المملكة ” :

اضغط هنا لزيارة صفحة الرمثا نت عبر الفيس بوك

2 comments

أضف تعليق

تذكر دائما قول الله تعالى : مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ

  1. وجهة لد 13 يناير, 2019 at 10:23 رد

    الله يحفظه
    ماشاءالله عنه

    اديب عالمي هالشب

    بتحدى اذا 99.99% من النواب اللي قاعدين تحت قبة البرلمان بفهموا هالكلمة
    لانه مستواهم ضعيييييييييييف ورويبضات

    علمهم الحكي يا فراس
    علمهم الاعراب والعربي

  2. غير معروف 14 يناير, 2019 at 19:10 رد

    الله يوفقك يا قلبي ويسر امرك واشوفك باعلى المراتب ويتحقق إلي بالك
    #اخوك_حموده_اليوسف_البشابشه ✌️❤️

إضافة تعليق جديد