سم في مذاق العسل

 

د. عبدالله الزعبي.

ربع قرن أفل واستتر، مض على الأمة ومضى، أدار على مواجع الوطن قطب الفناء ورحى القضاء، لا مرحباً به، لا حسرة أو وداع، كان يحمل على أجنحته المهترئة وعود السمن والعسل، يبشر بالرغد والبحبوحة والثراء، فمنذ إحتفالية الغبار وذاك النصر الخجول على رمال الوادي في عربة، جثم التوقيع على صدر العباد ولزم، عباد كان زادهم سنابل القمح في سهول حسبان وشيحان وحوران، عطرهم الزيتون في جبال عجلون وسفوح الطفيلة والبلقاء، مأواهم صفاء السماء وخجل النجوم، عباد كانت تحتسي الكرامة والفقر، تفترش الأنفة والحرمان وتحتضن للدفء آيات القرأن، عباد لا يسألون عن شكل السلطة بل يسألون عن عدل السلطان.

عصبة من ثعالب الحي وذئاب الفلاة، لبثت تسوق العباد إلى مذبح “حمار شوقي في شريعة الغاب”، تردد وتنشد: “إن الفتى إن كان ذا بطش مساوئه شريفة، أما الشعب فجلب الوباء بأكله مال الصوامع، فاستحل الدماء…خذوه واحرقوه واجعلوا من جسمه لله قربانـــــاً يكون فيه الشفاء”. فئة ما فتئت تستأثر بالخير والأمر ومقاليد البلاد، ووعدها الكاذب سوى من المذبح والقربان. فئة جلبت طاعون اليأس والخديعة، ثم ولدت أخرى، أسمتها الديجيتال، أتت بالدجل والعبث، عزفت تعاويذ الكذب والتحول وذاك التجديد والإنفتاح، ثروتها الإملاء وهي تخطيء بالإملاء، سقيمة الفكر، عديمة الإطلاع، همها نفسها، عنوانها التمويه والإفتراء وديدنها الإغتراب والفساد، تتهيأ الآن أرض الأنبياء لتنفثها في غياهب الجب مثلما سحب الدخان وأسراب الغربان.

فئتان تقيمان اليوم عهداً مع أحفاد مائير، إذ يركبون حمار امريكيا الديموقراطي ويعتلون فيلها الجمهوري، من القدس يشتَمون نسائم خيبر ويثرب ورحيق النيل والفرات، بعصى موسى الكليم يعلنون النصر على الأمة، ماضيها وحاضرها وحضارتها، فها هم أحالوا بغداد عباس خراباً وصنعاء ذي يزن اطلالاً، غرسوا في جلق أمية خنجر بقايا الفتنة وفي فسطاط المعز نشروا الفاقة، ويكادوا يدفنوا قحطان وعدنان تارة أخرى ويرقصوا في مآتم العزاء.

ليت عصبة السلام وتلك فئة الديجيتال تنظران في التاريخ، تقرءان مشهد الحاضر والدمار، قبل تورة البركان ورجفة الأركان، قبل أن يفوت الفأس بالرأس وغوصه كالنعامة في الرمال، قبل فوات الآوان، عوضاً عن تجرع السم في مذاق العسل وسحق “حمار شوقي في شريعة الغاب”.

  1. د. عبدالله الزعبي.

اضغط هنا لزيارة صفحة الرمثا نت عبر الفيس بوك

تذكر دائما قول الله تعالى : مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ

  1. طالب متابع 6 يناير, 2019 at 02:41 رد

    مقال جميل دكتور من شخص جميل ذو خلق عالي . انا متابع لكال مقال تكتبه. الى الامام

إضافة تعليق جديد