لماذا نقف مع الحراك!

الدكتور عبد الله الزعبي

هما تلكما الدمعتان الللتان قفزتا من مقلتي فرحاً بهدف النشامى في مرمى الكنجر بالأمس، أحسستهما على وجنتي كأنهما أمطار السماء تهطل في أعماقي، حسبتهما شلالاً دافقاً يتساقط من أعالي قمم الأمل بلهفة ليروي عطش الأرض للماء وظمأ الروح للبهجة والسرور والظفر. دمعتان، مثلما طفل يحن للبكاء، خلتهما ترويان قصة عمر ذبل في سنين الخيبة وليل القنوط، أيقظتاني من الغفلة التي خيمت على جنان الأصغرين إذ أرهقمها الإعياء. أحسست بالأمس مع النشامى مثل طيور الحبارى المهاجرة إذ تجد نافذة من ضياء على لهيب الشموع وعشق القناديل.

دمعتاي البارحة أوجزتا حكاية بلادي العتيقة، تماماً مثل وطن يحمل إسماً في ذاته صنوان لا يستتم وصفهما وحسنهما إِلا بجمع لذا وذاك معاً، موطن يمتزج عاموداه ببتوقة الحق وضياء الخير، مملكة بأردنيتها وهاشميتها المتلازمتين معاً كأنهما قصة روح تعانق توأمها، مثل المغطس يترنم في حضن الأخشبين، كأنهما منبع الحياة إذ تبث الروح في الجسد، مثلما المبتدأ والخبر، لا يستقيم احدهما دون نصفه الأخر، جملة ناقصة ومعناها مبتور.

الوطن هو كذلك، زينة في الرخاء وملاذ في الشدة، حالان وسجالان يتمايلان بين السعة حيناً والضيق أحياناً، أخال وجدي اليوم ينثر النجوم على أثوابه ويعلق في كل واد من بواديه قمراً، لكن قيح الفساد وقبحه ينز من أوصاله وينزف، ينهشني بصحوتي ويعضني كل لحظة وبرهة في منامي، يقيم الأسى بقلبي وسائر الآلام، فترى مهجة الفؤاد تبكي إذ سلب النور في وضح النهار من عينًي وسراجي، وترى مداد اللوعة يسطر في سّجل الشعر أبياتاً: فلتسقط الأقزام وليبارك الرب حناجر الأحرار في الحراك.

الحراك كما افهمه يجسد صرخة غوث ونجدة من فتية أدماها السفر في ليالي العوز والقهر، هو جذوة تلتهب في رماد اليأس، أغنية يجن بلحنها الوتر وترقص على أنغامها سواعد سمراء لفظتها الأيام على قارعة الضياع والتيه. إنما الحراك فتىً انكسرت احلامه ولجه اليأس بالآلام تدميه، يحن اليوم إلى دفء أبيه وأحضان ماضيه، فتىً إذ يعلن التمرد على الشك وحرية التعبير في السر وصمت الكراسي، يستحيل ضميراً بالحق ناطقاً ما دام بالأدب يحييه، يدني البعيد من القريب سماحةً ويؤلف النجدين. الحراك رسول يسير صوب العرش عله يحميه، يأد تموز في مهده ويرديه. الحراك مثلما دمعتاي في البارحة، براءة في العشق وعفوية في الطيب.

د. عبدالله الزعبي.

اضغط هنا لزيارة صفحة الرمثا نت عبر الفيس بوك

3 comments

أضف تعليق

تذكر دائما قول الله تعالى : مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ

  1. كميل الزعبي الرمثاوي 8 يناير, 2019 at 07:05 رد

    الرابع موعدنا ويجمعنا إن شاء الله تعالى…….الرابع هو الحل

إضافة تعليق جديد