كتاب الموقع

خاطرة بلا عنوان

خاطرة بلا عنوان

ما زال طيف الحيرة يلاحقه أينما يمم الخاطر وفتش عن الرؤى، ما برحت ظلال الحق والحقيقة تطارده وتسدد للجسد الجائع لكمات التيه. البارحة، ودع سقف الدجى وأغلق باب ليل طاف بين النجم وثقوب الضياء، ثم استقل مدارج الحمرة في الفجر بعد أن هدأت جفون طاردت فلول النعاس، وسكن هدوء نوم خلا من الاحلام. نهض من الفراش مسرعاً وإنتصب أمام المرآة يغسل الكابوس وصور علقت في مخالب الخيال، فالتقى صدى هيئته مع انعكاس وجه دون أديم فيه محيا الإعياء، كأنما سجن زجه خلف الأسوار.

كان البيت مقفراً يجوب في قفر الرمال ويرتشف صقيع الحجر، بحث فيه عن لقمة يمتطيها وكأس شاي يروي التعب ويسقي شريان الحياة، فما وجد سوى عجز أعياه في زقاق الجدب وجفاف التيار. غادر الدار مهرولاً قاصداً الزاد والرمق، جاب شوارع سكت نبضها واسترخت في مراتع السكون، قلبَ البصر في مبان أحاطها الخواء وغرقت في الغياب، حتى الضجيج نضب وخلت الأجواء من هديل الحمام ورائحة النسيم. أخذ يجري في عباب الصمت يسابق الشهيق والزفير، يمشي فوق هواجس الهموم المبعثرة على أطراف التردد والغموض، يبحث عن ذاته ويرتجي الغيث في أنفاس السراب. فجأة، وتحت أنقاض الظنون وغمرة الجنون، وجد نفسه يخلع أثواب الرجاء ويمزق صحيح السرور حين لامس الصواب وتجاوز ألوان المجاز.

جلس على مقعد ركنته غفلة المسير على حافة الطريق يعاتب زوايا النسيان، رأى فيه حاله وضالته، فراح يناجيه والشكوى تحاصر نحيب الدموع، وعليه بث عتابه عليه، سأله إن كان مثله يبحث عن القدر، أو تعجب يوماً كيف ينسل القضاء من ثنايا الشهادة ويقفز من عوالم الغيب، تسآل على إستحياء بنبرة قاحلة: لما الدهر يمضي على عجل ويمتطي صهوة العجل، وكيف تهوم الأيام وتجري مع الريح، استوضح عن النطفة وأمشاج نبتليه، عن المعنى في أطلال البكاء، وعن ساعة القرار وردى الحطام في لجة المصير.

أدرك بعد عناء أن المقعد مثله أصم صريع الوهم، يعاقر الوحدة ويحتسي شهوة الوحشة، ودعه باسماً وقفل عائداً دون خطى أو سؤال، أحتضن الغفوة ثانية وبه جذوة تكاد تحرق المحال وتلهب حنايا الضلوع. أطلت من نافذة الحلم ثانيةً نسمات الصبح والأصيل، وصدح نداء بعثر رماد الشك، حطم قضبان الحجر التي أوصدت منافذ الروح، فشرع يبحث عن ربيعه في يقظته وهجوعه، أخذ ينصت بخشوع لبشائر الدنيا ويعناق الهواء، يزجي للإله الحمد على آلائه والنعم ويقبل ثغر الحياة.

د. عبدالله الزعبي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

إغلاق