كتاب الموقع

“يمة القمر على الباب”

خيرة الشيباني

أستاذة فلسفة وكاتبة تونسية
يتسع القمر للجميع… كما اتسع سابقا لخيال الشعراء ولمناجاتهم الليلية، وللحزن الذي يَخِز القلوب أزمنة الفَقد والغياب، ويتسع للفرح الذي يطل موسميا، ولتردد فايزة أحمد وهي تراوده عن نفسه، ولأم كلثوم وهي تزغرد لقدومه..

يتسع القمر لفيكتور هوغو وهو يمسح دموعه الفضية المنسكبة على نهر الراين أيام المنفى، ولتعاطف مالرميه الذي يرى ”فيها“ (القمر بالفرنسية مؤنث) أرملة شاحبة تشقى بوحدتها، ولرفقة إبراهيم ناجي في أساه العاصف، ولسُهد قيس بن الملوح وهو يُضيء جُنحَ ظلام ليله، ولنازك الملائكة وهو يطلع كل مساء من نافذة كلماتها.

القمر يتسع للجميع، لكن الحرب تشتعل للفوز بسطحه وبمداره، بمناطقه الآمنة وغير الآمنة، بصخوره ومعادنه ومياهه، وبمستقبل الأجيال القادمة لأطراف النزاع وهي تخطط لإستراتيجيات غزوه، ومن ثمة الانطلاق منه نحو الكوكب الأحمر والكواكب من حوله.

فقد انتقلت الصراعات بين القوى العظمى، خلال السنوات الأخيرة إلى الفضاء ليشكل ساحة معارك جديدة تتنافس على كسبها أساسًا الولايات المتحدة وروسيا والصين.

وإذا ما بدأت عملية غزو الفضاء منذ بداية الستينيات بتوافق دولي، وبالذات بين الاتحاد السوفيتي سابقا والولايات المتحدة، بغية تحقيق منافع للإنسانية جمعاء، على الأقل في الخطاب الرسمي المُعلن.

الصين التحقت بالسباق المحموم على كسب معركة الفضاء تحقيقًا لمصالح اقتصادية وإستراتيجية لا تخفيها أطراف الصراع، بحيث يمكن القول إنه بالموازاة مع الجغرافيا السياسية ذات الحدود المتحركة التي يرسمها تنافس القوى العظمى على الثروات الطبيعية والمواقع الإستراتيجية.

ثمة الآن جغرافيا سياسية تُرسم على سطح القمر؛ لتثبيت الوجود التكنولوجي وربما البشري، وتبعا لذلك، تحقيق الأمن القومي لكل من الدول المعنية بهذا الصراع.

ولأن العصر اليوم هو عصر الصين، فإن العديد من التحاليل والدراسات انصبت على تقدم الصين في هذه المعركة الجديدة، من حيث الأموال المرصودة لكسبها، إذ تعمل بيكين على زيادة الإنفاق على عملياتها الفضائية بنسبة تقارب السبعين بالمئة مقارنة مما كانت عليه في بداية العشرية الماضية، ومن حيث مخططاتها المُعلنة لتطوير برامجها، في مجال الصراع الدولي الجديد، ومن حيث الأهداف المحددة لعملياتها المستقبلية.

لقد نشرت الصين كتابها الأبيض الخاص ببرنامجها لاستكشاف الفضاء في بداية عام 2022، واعتبرت فيه أن صناعة الفضاء عنصر حاسم في إستراتيجيتها الوطنية الشاملة.

وكان من الطبيعي أن تتدثر وهي تعلن عن مخططاتها بنوايا إنسانية صرفة لتحدد مهمة برنامجها في هذا المجال بأنه ”استكشاف الفضاء الخارجي لتوسيع فهم البشرية للأرض وللكون من أجل تسهيل توافق عالمي في الآراء بشأن مسؤوليتنا المشتركة في استخدام الفضاء الخارجي للأغراض السلمية، وحماية آمنة لصالح كل البشرية“.

إلا أن الصين سرعان ما تكشف عن الأهداف الحقيقية لصراعها المحموم مع الولايات المتحدة على أسبقيّة الحضور على القمر واستغلال موارده وثرواته، إذ ورد في الكتاب الأبيض أن ”البرنامج الصيني يهدف إلى تلبية متطلبات التنمية الاقتصادية والعلمية والتكنولوجية، والأمن القومي والتقدم الاجتماعي، ورفع المستويات العلمية والثقافية للشعب الصيني، وحماية الحقوق والمصالح الوطنية للصين، وبناء قواتها الشاملة“.

لا يقل نشر البرنامج الأمريكي، في هذا المجال، والصادر العام 2019، وضوحا في التعبير عن الرغبة في الهيمنة على الفضاء، وذلك بالإعلان عن تشكيل ذراع عسكرية جديدة، وهي القوة الفضائية، مهمتها مواجهة التحدي الروسي والصيني المعلن. ويتفق الديمقراطيون والجمهوريون على أن احتواء منافسيهما في عسكرة الفضاء والفوز بخيرات القمر أمر إستراتيجي بالغ الأهمية يتطلب إثارة ما تشغلهما في أزمات على الأرض، وتعطل تقدمهما في برنامجهما الفضائي بكل الطرق.

ولم يكن من قبيل الصدفة أن يحمل البرنامج الأمريكي الجديد للحلول على سطح القمر، اسم ”ارتميس“ الذي يعني في الأساطير الإغريقية آلهة الصيد والطبيعة البرية، أي تلك التي لم ينتهك أسرارها أحد من قبل. وهو ما يشير إلى الطبيعة الشرسة لهذه الحرب التي لن تفيد فيها ما جاء في المعاهدة الدولية للفضاء الخارجي، التي أبرمت العام 1969، المعايير الدولية، التي ضبطت لاستكشاف الفضاء، وحُددت خلالها المناطق الآمنة للقمر وغير الآمنة التي يمكن أن يدور عليها الصراع.

وكما في كل الحروب ستكون الغلبة للأقوى، لمن ينتهك المعايير الدولية، ولمن تكون أولويته مصالح شعبه القومية. وستفشل الأمم المتحدة في إدارة هذا الصراع على الفضاء كما فشلت في إدارة العديد من الصراعات والنزاعات، بما فيها العادلة على الأرض.

يقول تقرير متفائل لنيويورك تايمز، إن القمر يتسع للجميع. وباستثناءات فردية لبعض الدول العربية مثل الإمارات العربية المتحدة والمملكة السعودية، فإنه لن يتسع للعرب، طالما ظلوا يكتفون بمناجاته والسهر معه وهو على أبوابهم، فيما يقتحم الغرب أبوابه العصية على الاقتحام.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

إغلاق