كتاب الموقع

وراثة العرش في بريطانيا

جرى الإعلان رسميا عن تنصيب ولي العهد تشارلز ملكا دستوريا في المملكة المتحدة، ليخلف بذلك والدته الراحلة الملكة إليزابيث الثانية، التي احتفلت في شهر شباط الماضي بذكرى مرور سبعة عقود لها على توليها العرش، متجاوزة بذلك فترة حُكم جدتها الكبرى الملكة فيكتوريا، التي اعتلت العرش لأكثر من ستين عاما.

وقد تسابقت وسائل الإعلام خلال الأيام الماضية في تسليط الضوء على شخصية الملك الجديد، والآلية التي سيتم فيها تنصيبه حاكما جديدا على البلاد، وتأثير وفاة الملكة على تراتبية أعضاء الأسرة المالكة الذين يحق لهم دستوريا تولي العرش.

فعلى خلاف معظم دول العالم، لا تملك بريطانيا دستورا مكتوبا يُبين بصورة قاطعة كيفية انتقال التاج البريطاني، والشروط الواجب توافرها فيما يتولى المُلك. هذا على خلاف الحال في الأردن، حيث حرص المشرع الدستوري على تضمين المادة (28) من الدستور أحكاما واضحة وصريحة حول وراثة العرش، والتي تنحصر في أسرة الملك عبد الله الأول ابن الحسين، وتكون ولاية العرش في الذكور فقط من أولاد الظهور.

ففي ظل غياب القواعد الدستورية المكتوبة في بريطانيا، يجري الاعتماد على مصادر قانونية أخرى يتم التعامل معها كمبادئ وأسس دستورية. وقد تكون هذه المصادر مكتوبة وتتمثل بالعديد من القوانين ذات الطبيعة الدستورية، أو نصوصا غير مكتوبة تتمثل بالأعراف الدستورية التي تحتل مكانة متقدمة في تشكيل السلطات في بريطانيا، وتنظيم العلاقة بينها وممارستها لمهام عملها.

وفيما يخص آلية انتقال العرش في بريطانيا، فقد صدرت العديد من القوانين الناظمة لهذه العملية الدستورية، في مقدمتها قانون التسوية لعام 1701، وقانون الزواج الملكي لعام 1772، وقانون توارث العرش لعام 2013. وقد جرى الاستناد على هذه القوانين للبدء بمخاطبة ولي العهد الأمير تشارلز بالملك تشارلز الثالث، حتى قبل إنهاء إجراءات تنصيبه ملكا للبلاد.

إن الثابت دستوريا أن الحُكم في بريطانيا سينتقل لولي العهد تشارلز باعتباره الإبن الأكبر للملكة. إلا أن التاريخ البريطاني يشير إلى أنه في المرات السابقة كان التالي على العرش يُعطى لقب “الملك الجديد”، في الفترة بين وفاة الحاكم وانتهاء المراسيم الدستورية لتنصيبه ملكا، والتي تتمثل باجتماع مجلس الخلافة والمناداة به ملكا دستوريا على البلاد وأدائه القسم الدستوري.

ومع ذلك، فقد سارعت رئيسة وزراء بريطانيا الجديدة ليز تراس إلى مخاطبة الأمير تشارلز بالملك تشارلز الثالث وذلك عندما نعت إلى الشعب البريطاني وفاة الملكة إليزابيث، في الوقت الذي كان يحق فيه للملك الجديد أن يختار اسما ملكيا آخر يرتبط باسمه الكامل الذي هو “تشارلز فيليب آرثر جورج”، كأن يُسمى الملك فيليب أو الملك آرثر أو الملك جورج. فالملك جورج السادس كان اسمه بالكامل “ألبرت فريدريك أرثر جورج”.

وتجدر الإشارة إلى أن آلية انتقال العرش في بريطانيا قد شهدت تغييرات جذرية في عام 2013، حيث جرى إصدار قانون توارث العرش الذي ساوى بين الرجل والمرأة في تولي الحُكم. فقبل ذلك العام، كانت يُسمح للنساء باعتلاء العرش في حال عدم وجود أي ذكر مؤهل للحكم، وهو الحكم القانوني الذي استفادت منه الراحلة إليزابيث، التي اعتلت العرش بعد والدها جورج السادس في عام 1952 بسبب عدم وجود أخوة ذكور لها.

إلا أنه وبعد عام 2013، جرى إلغاء تفضيل الذكور الأبكار على النساء في خلافة العرش، وأصبح خط الخلافة تتابعيا لمن ولدوا بعد 28 تشرين أول 2011. فالطفل الأكبر للملك بصرف النظر عن جنسه يسبق أشقائه الذكور والإناث في تولي العرش.

كما ألغى قانون توارث العرش لعام 2013 قانون الزواج الملكي لعام 1772، الذي كان يحرم الأشخاص الذي يتزوجون من طائفة “الروم الكاثوليك” من خلافة العرش، بالتالي جرى إلغاء القاعدة القانونية التي تمنع المتزوج من كاثوليكية أو المتزوجة من كاثوليكي من اعتلاء العرش البريطاني. إلا أنه تم الإبقاء على شرط أساسي فيمن يتولى المُلك، وهو أن يكون من طائفة البروتستانت، ذلك على اعتبار أن ملك بريطانيا هو رئيس الكنيسة الانجليكانية.

وقد جاءت هذه التعديلات الهامة على نظام وراثة العرش في بريطانيا تنفيذا لاتفاق رؤساء وزراء دول الكومنولث الستة عشرة – التي يترأسها ملك بريطانيا – في اجتماعهم الذي عُقد في مدينة بيرث الأسترالية بتاريخ 28 تشرين أول 2011، حيث أجمع الرؤساء على ضرورة المساواة بين الذكور والإناث في ولاية العرش، وعدم استبعاد أي وارث للحكم بسبب زواجه الديني. وقد تعهدت جميع الدول بإدخال هذه التعديلات في قوانينها الوطنية ذات الصلة.

* أستاذ القانون الدستوري في كلية الحقوق في الجامعة الأردنية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

إغلاق