من هنا و هناك

وفاة إليزابيث تحيي ماضي بريطانيا الاستعماري في جنوب أفريقيا

الرمثانت – تتهم بريطانيا بسرقة ماسة “كولينان” أكبر ماسة على الإطلاق في التاج البريطاني- جيتي

أثارت وفاة الملكة إليزابيث الثانية، حالة من الانقسام في جنوب أفريقيا، إذ نعى البعض الملكة الراحلة من خلال استذكار الصداقة الفريدة مع نيلسون مانديلا، في حين اختار كثيرون آخرون التركيز على إرث الإمبراطورية البريطانية المثير للجدل بشدة والمختلف حوله بشكل حاد.

ويشكك العديد من شباب جنوب أفريقيا في التفاهمات والمساومات التي رافقت انتقال بلادهم إلى الديمقراطية في أوائل التسعينيات، ويطالبون الدول الغربية ببذل المزيد للاعتراف بقرون من الاستغلال الاستعماري.

وانتشرت خلال الأسبوع الماضي دعوات في جنوب أفريقيا، لمطالبة بريطيانيا بإعادة ما يقولون إنه ألماس جنوب أفريقيا “المسروق” الذي يزين التاج البريطاني، مشيرين إلى أن ماسة “كولينان” أكبر ماسة على الإطلاق، تم إهداؤها للملك إدوارد السابع في عيد ميلاده السادس والستين من قبل المسؤولين الاستعماريين في جنوب أفريقيا.

وقطعت الماسة من جوهرة أكبر استُخرجت في جنوب إفريقيا عام 1905، وسلّمتها السلطات الاستعمارية في جنوب أفريقيا إلى العائلة المليكة البريطانية. ويذكر أنها مثبتة حاليًا على صولجان تابع للملكة.

اشتدت المطالب باستعادة “النجمة الكبرى لأفريقيا” وغيرها من الماس منذ وفاة الملكة.

وقال الناشط ثاندوكسولو سابيلو لوسائل الإعلام المحلية: “يجب إعادة الماس كولينان إلى جنوب إفريقيا فورًا”، مضيفًا أن “معادن بلادنا ودول أخرى تستمر في إفادة بريطانيا على حساب شعبنا”.

ووقع أكثر من 6 آلاف شخص على عريضة تطالب بإعادة “النجمة الكبرى لأفريقيا”، وعرضها في متحف بجنوب أفريقيا.

وكانت الملكة إليزابيث، قد زارت كيب تاون بعد الحرب العالمية الثانية في عام 1947، وألقت كلمة تعهدت فيها بأنها ستحاول مساعدة بريطانيا في الحفاظ على نفوذها العالمي وروابطها التجارية، في وقت كانت فيه العديد من الدول تتخلص من أغلال الإمبراطورية في أعقاب الحرب.

وقالت في كلمة تم بثه حول العالم، “أتعهد أمامكم جميعاً بأن حياتي كلها سواء طالت أم قصرت، ستكون مكرسة لخدمتكم وخدمة عائلتنا الإمبراطورية العظيمة التي ننتمي إليها جميعاً”.

وعادت إليزابيث إلى جنوب أفريقيا بعد نصف قرن، إثر وصول نيلسون مانديلا إلى الحكم، عقب زوال حكومة أقلية بيضاء عنصرية اتبعت سياسة فصل عنصري وحشية تُعرف باسم “الأبارتايد”، دمرت حياة الأغلبية السوداء وأخرجت البلاد من منظمة الكومنولث وعاشت عقودا من العزلة الدولية.

وقالت السكرتيرة الخاصة لمانديلا، زيلدا لا غرانج، هذا الأسبوع: “لقد كانت علاقة غير عادية للغاية”، متذكّرة العلاقة التي أقامها الزعيمان بسرعة.

وأضافت: “ذات مرة زارها في قصر باكنغهام وقال: “إليزابيث، لقد فقدتِ بعض الوزن”. وبالطبع انفجرت الملكة ضاحكة، وبعد ذلك قالت زوجة مانديلا: “لا يمكنك مناداتها إليزابيث، إنها ملكة إنجلترا”. فقال: لِمَ لا، فهي أيضاً تدعوني نيلسون”.

ويعتقد البعض أن علاقة مانديلا مع إليزابيث ساهمت في إحجام حكومة جنوب أفريقيا بقيادة حزب المؤتمر الوطني الأفريقي عن مواجهة بريطانيا مباشرة بشأن قضية التعويضات، التعويض المالي عن الأضرار التي لحقت بالاقتصاد والمجتمع في جنوب أفريقيا بسبب قرون من الاستغلال والاستعمار، وفق هيئة الإذاعة البريطانية “بي بي سي”.

وقالت مامفيلا رامفيلي، وهي ناشطة وسياسية بارزة مناهضة للفصل العنصري: “لا أعتقد أن الرئيس مانديلا أثار هذه القضية”.

وتابعت: “ربما كانت الملكة كفرد فكرت بذلك. لكن الحقيقة هي أنها كانت رمزاً، ورئيسة الدولة البريطانية، ولم تكن هناك أي خطوات فعلية للاعتراف والتراجع عن نظام عدم المساواة العنصري الاستغلالي الذي أقيم في جنوب أفريقيا، سواء خلال الفترة الاستعمارية أو في ظل نظام الفصل العنصري أو حتى بعد انتهاء نظام الفصل العنصري”.

وأشارت بشكل واضح إلى أن الكومنولث قد يكون لديه الكثير من الأشياء المشتركة، لكن الثروة كانت متركزة كلها في لندن.

لكن مع ذلك، كانت زيارة الملكة إلى كيب تاون عام 1995 إشارة قوية على عودة جنوب أفريقيا بعد الفصل العنصري إلى الحظيرة الدولية، ونهاية وضعها كدولة منبوذة. على الرغم من المخاوف الأمنية، أصرت الملكة على رؤية واقع جنوب أفريقيا الجديدة، وزيارة العديد من البلدات التي كانت تعيش في ظل العنف.

ومن المرجح أن يتذكر كبار السن في جنوب أفريقيا، بشكل إيجابي، الفرص التعليمية التي منحت لهم في عهد الإمبراطورية، بعكس المعاملة المهينة و”تعليم البانتو” العنصري الذي عانى منه السود خلال مرحلة الفصل العنصري.

ولا يزال هناك العديد من مواطني جنوب أفريقيا البيض في كيب تاون يحملون جوازات سفر بريطانية وقد حزنوا على وفاة الملكة على الرغم من أن أجهزة التلفزيون في نادي كيلفن غروف الخاص والمميز كانت تعرض لعبة الركبي والكريكيت أثناء زيارة الملكة الأخيرة.

لكن المزاج الوطني إذا كان يمكن اعتبار المتصلين بمحطات إذاعة بارزة مؤشراً موثوقاً به يميل إلى تجنب الحنين إلى العهد الملكي، والتركيز بدلاً من ذلك على قضية الاستعمار.

وقد لا يكون ذلك مفاجئاً في بلد منقسم بشدة حول السبب استمرار معاناة الكثير من مواطنيه من عدم المساواة والفقر المترسخ منذ ما يقرب من ثلاثة عقود من الزمن، أي منذ نهاية الفصل العنصري.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

إغلاق