كتاب الموقع

مدافع أوكرانيا وأشباح فرساي

خالد شيا

الرمثانت
 
في خطابها أمام الجمعية الألمانية للعلاقات الخارجية، حرصت وزيرة دفاع ألمانيا كريستينا لامبريشت على وضع شعار بخط بارز خلف المنصة: ”الجيش الألماني أساس الأمن“، وهذا الشعار في صياغته العامة، تعبير مبسط عن دور الجيش في أي دولة، لكن إظهاره في هذا التوقيت، وفي بلد كألمانيا، لا بد وأن يثير قشعريرة ما.

منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، سحبت ألمانيا من التداول، كل مفردة تشير إلى القوة العسكرية، والتسلح وبناء الجيش، وبذلت جهودا جبارة لاجتثاث جذور النازية، وقد نجحت في تحقيق مصالحة فريدة مع الذاكرة، مكتفية بحضور اقتصادي هائل على مستوى العالم، مكنها من قيادة القارة العجوز، التي مزق الجيش الألماني خرائطها أكثر من مرة، إلى بناء اتحاد يضم نحو 500 مليون أوروبي، الكلمة العليا فيه لاقتصاد ألمانيا.

الانقلاب الكبير الذي قاده الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في فبراير/ شباط الماضي، عندما أمر جيشه بدخول الأراضي الأوكرانية، تردد صداه على الفور في برلين، فنفض الغبار عن البزة العسكرية، وتصاعد الحديث عن الجيش والتجنيد والتسليح وفضائل القوة العسكرية الذاتية، وأصبحت إعادة بناء الجيش الألماني، قضية يومية محورية في مقر المستشارية الاتحادية، والبوندستاغ، ووزارة الدفاع، ومراكز الأبحاث، ووسائل الإعلام.

دافعت المحامية والسياسية لامبريشت في خطابها، عن حق ألمانيا بلعب دور قيادي في أوروبا، بما في ذلك الدور العسكري، ”ليس بدافع الرغبة في القوة، ولكن من أجل إعطاء دفعة للسلام، ولا ينبغي لأحد أن يخاف من هذا الدور القيادي“.

اعتبرت الوزيرة أن ”أوكرانيا موجودة اليوم فقط لأنها تستطيع الدفاع عن نفسها، وألمانيا تحتاج أيضا إلى قوات مسلحة قوية حتى تتمكن من الدفاع عن نفسها إذا لزم الأمر“.

اللافت في حديث الوزيرة الألمانية، أنها لم تتوقف كثيرا عند أهمية تخصيص 100 مليار يورو بشكل عاجل للجيش، بل ركزت على ضرورة“ إعادة التفكير وإحداث تغييرات في أذهان الناس“، واقترحت تنظيم“ يوم الأمن“ السنوي بهدف“ ترسيخ الجيش الألماني باعتباره السلطة المركزية لخدماتنا ذات الاهتمام العام، كل يوم“.

النقاش الألماني العام حول تجديد الجيش، يدور وسط خفوت الأصوات المعارضة لأحاديث الحرب والتسلح، فليس هينا أن يصحو رابع أكبر اقتصاد في العالم على حقيقة قدرة روسيا على إذلاله بقطع النفط والغاز، فيما المدافع تدوي على مسافة ليست بعيدة عن حدوده الشرقية، وقد بدأت سهام النقد تتجه إلى المستشارة السابقة أنجيلا ميركل لرهنها ازدهار اقتصاد ألمانيا بتدفق الطاقة الروسية، ولتقاعسها عن تجديد الجيش بعدما أقدمت روسيا على ضم القرم في العام 2014، رغم التصفيق الذي حظيت به على امتداد 16 عاما.

”ذل الطاقة“ الراهن، لا يمكن قياسه بأي حال بما كابدته ألمانيا في صلح فرساي المهين العام 1919، إذ فقدت 13 في المئة من أراضيها، وجرد جيشها من السلاح الثقيل، وفرض عليها إلغاء التجنيد الإلزامي بجيش لا يتعدى 100 ألف جندي، وعدم بناء القوة الجوية والغواصات، كما تم تحميلها المسؤولية الكاملة عن الحرب وإلزامها بدفع تعويضات هائلة، ما مثل لطخة سوداء في سجل قائد الجيش الألماني باول فون هيندنبورغ الذي وافق على المعاهدة رغم سيرته العسكرية الناصعة.

قيل إن معاهدة فرساي حملت في رحمها جنين الحرب العالمية الثانية، ولولاها لما صعدت النازية، ولما تمكن أدولف هتلر من تعبئة ألمانيا كلها لبناء ”الفيرماخت“ المرعب.

بالطبع، لن نشاهد استعراضات عسكرية هائلة بالمشاعل أمام بوابة براندبورغ في برلين على طريقة جوزيف غوبلز، ولن تصدمنا صور أدولف هتلر وهاينريش هملر وهيرمان غورينغ، ولكننا سنرى زهورا أكثر عند أضرحة الجنرال جيبهارد فون بلوخر، والماريشال هيلموت فون مولتكه، والجنرال والمنظر الإستراتيجي الشهير كارل فون كلاوسفيتز.

بعد استسلام اليابان غير المشروط في العام 1945، شن الجنرال الأمريكي ماك آرثر حملة ضارية غير مسبوقة في التاريخ لتجريد اليابانيين من ملايين سيوف الساموراي الأسطورية، وتكسيرها أمام أعين أصحابها الذاهلة، لنزع أي احتمال مقبل في بعث الروح العسكرية اليابانية. يخشى، أن انقلاب بوتين الكبير سينفض الغبار، بلا رجعة، عن تقاليد السيوف.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

إغلاق