كتاب الموقع

زهرة جلجامش والمغناطيس

رمزي الغزوي

بعثتُ اقتراحا لمسؤول حكومي لاعتماد “السياحة الغنائية” كمسار جديد من مسارات السياحة الأردنية، إلى جانب سياحة الآثار والعلاج والبحر والجبل وغيرها.

فالجمعة الماضية شهدت مدينة العقبة البحرية نسبة إشغال لفنادقها وصلت حسب ما أعلنت سلطتها الخاصة إلى 99%، وانتعشت أسواقها بشكل لافت.

عمرو دياب، الفنان المصري المعروف، كان الحدث الذي فرض هذا الوضع تحضيرا لحفل خاص تفاعل معه أكثر من 4000 معجب أو محب، بسعر تذكرة ناف عن 250 دينارا.

قبل اقتراحي، طالب البعض الحكومة بضرورة التعاقد مع الفنان أسبوعيا، أو شهريا على الأقل، لا لينعش العقبة وفنادقها وشواطئها وأسواقها فحسب، إنما على أمل أن يخفف الضغط عن شوارع العاصمة والمدن الكبرى الأخرى.

بعيدا عن الموجة السياحية وسبل تخصيبها أو دعمها، وعن الفكرة التنفيسية لشوارع عمان المصابة بالزحام؛ فإن غير المطل على المسيرة الخاصة للفنان؛ سيستهجن الحشود الكبير التي تؤم حفلاته أينما كانت وفي أي وقت تكون..

هذا الحشد شاهدناه قبل أسابيع قليلة في مدنية العلمين المصرية، وسنشهده في الصحراء الكبرى إن فكر يوما أن يغني لرملها أو يرقص لسرابها، هو ظاهرة تستحق الوقوف بإزائها.

لا أنكر أنني كنتُ حريصاً على متابعة أغانيه الأولى، وحينها كنت في الصف الخامس الأساسي على ما أذكر، وازداد ولعنا بسماعه في مفتتح الشباب؛ لأننا ببساطة شديدة شعرنا أنه يغني لكل واحد منا منفردا..

وحينئذ كبرنا لم نهرب منه كما هي العادة مع فنانين يضمرون في أدراج النسيان، وحتى ولو لم تعد تعجبني كثير من أغنيه، فيبدو لي أن لديه قدرة عجيبة على ركوب موجة الأجيال المتعاقبة وفهمها. ربما هو مغناطيس يمتلئ بقوة استقطاب مدهشة.

بعد أيام سيحتفل بذكرى ميلاده 61، وهذا العمر في حياة شعوب العالم الثالث مدعاة أن يركن الواحد منهم “ربابته” وينتظر خانسا على دكة الرحيل واضعا يده على خده متفقدا تجاعيده ناسيا مواعيده، لكنّ الستين بالنسبة لدياب عشرون أو ثلاثون، إذ لا تبدو بوادر شيخوخة عليه، وكأنه قضم زهرة جلجامش الأسطورية التي تحفظ ديمومة الشاب.

كثيرا ما يعاني الأجداد أو الآباء في إيجاد قاسم مشترك مع أحفادهم أو أبنائهم لا سيما في تذوق أغنية ما، أو متابعة فنان، هذا القاسم يتحقّق كثيرا مع دياب وأغانيه، فأنا أعرف أجدادا وآباء وأحفادا تجمعهم أغنية له بكل معنى الكلمة، والسّر يكمن في عصرنته لأدائه وكلماته وألحانه؛ ولهذا بقي رقماً صعبا في الساحة مستوعبا متغيراتها المتسارعة ومتطلباتها.

يلقب نفسه بالهضبة، وهو لقب فيه من الإيحاء والرمزية الكثير.. اللقب يشعرني أن على الفنان أو الكاتب أو الروائي أو الصانع أو المنتج لأي إبداع، مهما كان نوعه وجمهوره، أن يبقى متسلقا هضبة نفسه ونجاحه بكل شغفه وروحه، عاملا لأجل هذا بجد طوال الوقت ودون فتور، ودون أن يعتقد للحظة أنه وصل إلى قمتها مهما نال من شهرة وحضور.

كما في سيرة أي نجاح، أرى أنه لا يظهر للناس سوى القليل منها، تماما كما في الجبل الجليدي العائم في أعالي البحار، إذ يختفي الجد والعمل المتواصل المثابر، ويظهر النجاح كقمة فقط، وكأنه بلا أساس أو جذور..

لهذا فدياب سواء أعجبتنا شخصيته أو أغانيه، أو لم تعجبنا يظل حالة مثيرة عابرة للتساؤلات والتباينات.

إغلاق