كتاب الموقع

من فوق السين

بسام السلمان

خلال سفري مع وفد للمشاركة في مؤتمر لحقوق الانسان في العاصمة الفرنسية باريس، طبعا كدولة هي بعيدة كل البعد عن حقوق الانسان وعن العدالة وعن المحبة، ولكن كشعب اعتقد انه اصبح يشعر بالظلم الذي اوقعته بلاده على الكثير من الشعوب في مناطق متعددة من العالم وخاصة في افريقيا والاخص منها في بلد المليون شهيد الجزائر، ما علينا، المهم ان المنظمين ارادوا ان يبسطونا قليلا ويشعروننا بالفرح الذي نفتقده في بلادنا فقاموا بتنظيم برنامجا سياحيا اغلبه كان في باريس، ولقد وجدت باريس قصيدة جميلة خلعت عن نفسها سوادها، كانت مدينة على مقاسات النفس، والنفس أمارة بالسوء.

ومن هناك، فوق نهر السين الذي يخترق باريس، السين الذي ينبع بالقرب من دريجون في شمال فرنسا وينساب عبر باريس ألى القنال الإنجليزي مارا من تحت جسور بعضها يتجاوز عمره ال 300 سنة، حدثني رفيقي في الرحلة عن الوطن وحب الوطن وعن اطفال الوطن الذين ينحشرون في صفوف مدرسية تنعدم فيها سبل الحياة، وحدثني عن شباب بلا عمل، شباب اصبح كل همهم البحث عن دولة تقبلهم كمهاجرين، وحدثني عن نساء اصبح حلمهن الزواج قبل بلوغ سن الاربعين، بعد ان كان الفتيات يصبحن امهات وهن في العشرين، وقال ان حقوق الانسان والبطالة والفقر اخذن نساء وطني الى سن لم تعد فيه الفتاة مطلوبة، واصبحت تلجأ فيه البعض الى الزواج من ارمل او زوجة ثانية او ثالثة، وحدثني رفيقي ونحن في رحلة نهرية نستمع الى صوت موسيقا هادئة، حدثني عن جنون الغرب الذي رمى بنا في احضان ظالمة، عن الفوضى التي خلفتها حروبهم، وحدثني عن الأصدقاء، وأجواء الدراسة في الثمانينات ومقاعد ومحاضرات الجامعة والجلوس على المقاعد الخشبية بانتظار حبيبة طال غيابها.

ولم ينس صديقي ان يحدثني وأنا أمر بالحي اللاتيني وجامعة السربون وحدائق لوكسمبرج وبرج ايفل والشانزليزيه والتروكاردو منتهيا بكاتدرائية نوتردام في جزيرة المدينة عن شوارع وطرقات القرية الترابية واشجارها المنتشرة في كل مكان، وحقول القمح التي حولوها الى بنايات بحجة ان القمح اصبح يأتينا مجانا من دول الغرب.

نكزت صديقي في خاصرته وقلت له: أنت متورط بحب وعشق مدينتك واهل حارتك وسكان بنايتك. ضحك رفيقي، وظل بعد ضحكته تلك صامتا حتى انهيني الرحلة، قلت له: اعترف يا صديقي ولا تخجل، فانت تحب وطنك اكثر واكثر واكثر، انت قلب الوطن والوطن يعيش في قلبك.

للعلم صديقي منذ تلك الرحلة لم يعد للوطن نهائيا وظل يبحث عن مكان يكتب في مذكراته دون ان يأتيه طارش في اليقضة او في الحلم ويقول له اصمت.

إغلاق