كتاب الموقع

مم يخاف الأردني؟

حلمي الاسمر

لئن كنا خصصنا “الأردني” هنا في حصر مخاوفه، فإن معظم ما يخاف منه الأردني إن لم يكن كله، هو ما يخاف منه المواطن العربي عموما، مع فروقات بسيطة، هنا أو هناك، فالخوف في بلاد العرب أوطاني هو السمة الجامعة المقيمة في وعي ولا وعي العربي على حد سواء..

أول ما يخاف منه الأردني هو الهاتف، خاصة إذا رن في وقت متأخر، فهو غالبا ما يحمل خبرا سيئا، وفاة قريب أو حبيب في بلاد الغربة. والغريب هنا أن من يرن في هذا الوقت الذي يتقصد نقل خبر وفاة مغترب في بلاد بعيدة، لا يدرك أن من يتصل به لا يستطيع أن يفعل شيئا إلا أن يجلس في جوف الليل يبكي أو يمضغ ألمه، وكان يمكن تأخير الاتصال للصباح، كي يمضي المتصل به ليله هادئا، فما الذي يمكن أن يفعله فاقد لعزيز في جوف الليل إلا أن يطير النوم من عينيه..؟

ومما يخاف منه الأردني أيضا إن ظهر على هاتفه رقم غريب، فهو على الأغلب يحمل خبرا أو معلومة سيئة، محام يبلغ المواطن بأن قضية رفعت عليه، بسبب شيك راجع أو دين حرّكه صاحبه، أو بنت دلوعة تعرض بضاعة أو خدمة إعلانية، أو ما شابه، أما أسوأ هاتف يمكن أن يأتي للأردني فهي مكالمة بلا رقم، فهي على الأغلب تحمل استدعاء أمنيا أو مساءلة على ما فعل أو قال، أو ربما يكون سببا لوشاية، أو شكوى كيدية.

المكالمة بلا رقم تبعث في أوصال الأردني رجفة وخوفا، وغالبا ما لا يجرؤ على الرد عليها، ليس لأنه لم يفعل شيئا يستحق المساءلة فقط، بل لأن هناك اعتقادا استقر في الوجدان مؤداه أنه ليس ضروريا أن تفعل شيئا كي يتم استدعاؤك أو مساءلتك، فما دمت مواطنا عاديا بلا ظهر، فأنت معرّض دوما للمساءلة عما فعلت بل حتى عما لم تفعل. ففي البلاد التي تسود فيها علاقات مشوبة بعدم الثقة بين المواطن والسلطات النافذة، فالاحتمالات مفتوحة على كل ما يتخيله المرء من مفاجآت غير سارة.
 

مما يخافه الأردني تلك الأخبار عن حجم المخدرات التي يتم ضبطها في البلاد، وعن تحولها من بلد عبور إلى مقر لهذه الآفة التي تفشت على نحو غير مسبوق في البلد، فلا يكاد يمر يوم دون الإخبار عن ضبط كمية مخدرات وحبس مهرب أو مسوق لهذا السم. والمقلق هنا ليس ما يتم ضبطه، بل ما يتسرب إلى السوق والمدارس والجامعات والأسر

ومما يخاف منه الأردني تلك النظرات التي يصوّبها إليه ذلك الرجل الجالس وراء الزجاج، في منفذ حدودي بري أو جوي أو بحري، يتنقل ببصره بين جواز السفر وشاشة الحاسوب، فالمواطن وحتى وهو موقن أن صفحته بيضاء، لا يأمن “مفاجآت” لا على البال ولا على الخاطر، ولا يدري هل يوفق في اجتياز تلك “المحطة” بسلام أو تبرز له “قضية” من أي نوع، لم يبلغ عنها، بل ربما يفاجأ بأن عليه حكم قطعي بالسجن، وهو لا يدري متى صدر ولا كيف ولا من أجل ماذا، وكم حصلت مع مواطنين وجدوا أن أسماءهم موجودة في قائمة “المطلوبين” وهم لا يدرون، والقصص كثيرة عن مواطنين نقلوا مخفورين من الحدود على مبالغ قد تكون تافهة، لكن صدر بها حكم غيابي بالسجن دون أن يعلم عنها المواطن شيئا!

ومما يخاف منه المواطن حد الموت، إن صادف وأن صدمت أو مست سيارته سيارة أخرى، فهو لا يعرف عن سائق السيارة الأخرى شيئا، ولا يعلم عن نوع وحجم ردة فعله، بغض النظر عما إذا كان صاحب حق معتدى عليه، أو معتديا، فقد باتت الشوارع مسرحا لحوادث مميتة، فقد يهاجمك السائق الآخر بعصا أو موس أو بلطة، وحتى بمسدس أو شفرة، فقط لمجرد أنك تجاوزت بسيارتك سيارته، فكيف إذا كنت سببا في إيذاء سيارته؟ الشوارع اليوم مليئة بالناس الذين لا تعلم عن نوعية ردة فعلهم، وعما إذا كانوا سكارى أو متعاطين للمخدرات، أو واقعين تحت عبء ضغط نفسي بسبب دَين أو ضيق عيش أو قهر، أو فاتورة مياه مجنونة!

ولعل هذا ما يقودنا إلى خوف الأردني المزمن من الفواتير، خاصة فواتير الكهرباء والماء والهاتف، وأضيفت أخيرا للبعض فاتورة النت الفايبر، والتهديد بقطع الخدمة، أو قطعها فعلا.. فوبيا الفواتير في الأردن سبب لكثير من الحوادث وردود الفعل غير المتوقعة، فهي باب من أبواب الشعور بالتعاسة والقهر، فلا يكاد يدري أحد متى تأتيه فاتورة فلكية لا علاقة لها بحجم مصروفه من الماء أو الكهرباء، وهي تعكس صورة مخيفة لسياسات حكومية أساسها مبدأ الجباية والاعتماد شبه الكلي على جيب المواطن، لتمويل رفاهية طبقة صغيرة من كبار رجال الدولة، يعيشون منقطعين عن أحوال الناس، ولا يكادون يعرفون شيئا عن معاناتهم!

ومما يخافه الأردني تلك الأخبار عن حجم المخدرات التي يتم ضبطها في البلاد، وعن تحولها من بلد عبور إلى مقر لهذه الآفة التي تفشت على نحو غير مسبوق في البلد، فلا يكاد يمر يوم دون الإخبار عن ضبط كمية مخدرات وحبس مهرب أو مسوق لهذا السم. والمقلق هنا ليس ما يتم ضبطه، بل ما يتسرب إلى السوق والمدارس والجامعات والأسر، وما هو مخيف أكثر أن أخبار المخدرات فجأة صارت شبه يومية، بعد أن كانت نادرة، فكيف تحولت القصة بين ليلة وضحاها من الندرة إلى الشيوع والحضور اليومي؟ من يتاجر بهذا السم؟ وكيف انتشر في البلد؟ وكيف وصل إلى كل طبقات المجتمع، بشبابه ورجاله ونسائه؟

الخوف الأكبر في حياة الأردني هو من الغد وما يحمل من مخاطر محتملة سواء كانت حقيقية أو متوهمة، فثمة حالة عدم يقين، خاصة اقتصاديا، بما في ذلك وضع العملة الوطنية، ومدخرات الناس في البنوك، وأموال الضمان الاجتماعي، خاصة في ظل الانهيارات الاقتصادية التي تقع في بلاد مجاورة

أما الخوف الأكبر في حياة الأردني فهو من الغد وما يحمل من مخاطر محتملة سواء كانت حقيقية أو متوهمة، فثمة حالة عدم يقين، خاصة اقتصاديا، بما في ذلك وضع العملة الوطنية، ومدخرات الناس في البنوك، وأموال الضمان الاجتماعي، خاصة في ظل الانهيارات الاقتصادية التي تقع في بلاد مجاورة (لبنان، مصر، والعراق، وسوريا وغيرها)، فهذا خوف مخيف، مخلوط بحالة انعدام ثقة تام بين المواطن وحكومته، وحالة احتقان مجتمعي تسببها سياسات رسمية مليئة بالتفاؤل اللفظي تصاحبها قرارات لا علاقة لها بالتفاؤل!

أما آخر الشهر فهو رعب بلا نهاية، ليس لأن الراتب (إن وجد أصلا!) يصل المواطن في حالة “رشاقة” مرعبة بعد خصم الديون والقروض والاستحقاقات المالية المختلفة، بل لأنه أصلا في حالة تآكل ذاتي مع جنون الأسعار وضعف القدرة الشرائية للدينار، ناهيك عن هم جديد اسمه “ارتفاع سعر الفائدة” خاصة لأصحاب القروض من البنوك الربوية!

قائمة مخاوف الأردني، والعربي عموما، تطول كثيرا، ويصعب حصرها في مقالة بهذا الحجم، فحياة العربي تحولت إلى كابوس حياتي، فهو يمشي كالمسطول، يحدث نفسه بهواجس ومخاوف متلفتا خوفا من أن يستمع إليه مخبر سري، أو شاهد زور، أو “تطبيق ذكي!” يرصد كل ما يفعله وما لا يفعله هذا المواطن!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

إغلاق