كتاب الموقع

نتنياهو .. بين مطرقة المتطرفين وسندان واشنطن

حسين بني هاني

 يذكرني اكتساح اليمين في اسرائيل، لنتائج الانتخابات ،بما أفرزه بعض الربيع العربي من تطرف ومغالاة ،وبدا فوز نتنياهو معهم سياسيا فوزًا بطعم المرارة ،رغم مظاهر فرحه وابتهاجه به، يود لو يقبل يسار ووسط إسرائيل السياسي ،الشراكة معه لتشكيل الحكومة ، للتخلص من نفوذ دواعش اليهود الجدد ، بعد ان غدا خياره معهم، بين متطرف عنيد ومتعصب شديد ، بعد ان قالوا له ان اسرائيل اليوم ولدت من جديد ، ويعلم ان وجودهم معه ،سيكلفه ويكلف إسرائيل غضب الغرب وعلى راسهم الولايات المتحدة.

لقد وضعت هذه النتائج العرب والعالم ،أمام يمين جائع ومتعطش للسلطة ،كما تقول الصحافة الإسرائيلية ، بعد ان وسمت حملته الانتخابية اليسار الإسرائيلي ،بالضعف والتفريط بالوعد الإلهي بأرض إسرائيل ،وبات نتنياهو يقف وسطه منتشيا بالفوز ، ولكن تتملكه الحيرة والحذر اذ كيف كما يقول المحللون سيشكل ويدير حكومة رؤوس معظم اعضاءها حامية وجافة ،وتوراتية الهوى، يعلم انها تلقت تفويضًا كبيرًا وغير مسبوق من الناخبين ، خاصة عندما سيجادلهم في مسألتي ألدين والدولة ،وبالتحديد مع بن غفير وحليفه المتشدد الآخر. ناهيك عن قضية السيادة على الضفة الغربية والاستيطان فيها ، شعارهم الأبرز في حملتهم الانتخابية .مطالب ان وافق عليها نتنياهو ستسبب له الاحراج امام ألعالم ،خاصةً الولايات المتحدة التي لا زال بعض سياسييها ،ومن بينهم بايدن ،يؤمنون بأشواق الفلسطينيين لاقامة دولتهم ، ولو كانت على المقاس الاسرائيلي.

سيبدو نتنياهو بينهم حمامة سلام ،إذا قيض له تشكيل حكومة مع شركائه هؤلاء ،أمثال بن غفير وغيره ،هذا الذي قالت عنه الواشنطن بوست ،بأنه قومي متعصب ومتطرف ،لا يريد طرد ألعرب وحسب ،وإنما طرد اليساريين اليهود من ارض إسرائيل ،في وقت يحرص فيه نتنياهو على صيانة صورته السياسية امام ألعالم ، وصورة إسرائيل الديموقراطية أيضًا.

مشكلة نتنياهو مع هؤلاء أنهم اسبغوا القدسية على شعاراتهم الانتخابية ، ويعلم انه ليس من السهل المساومة عليها معهم ،وهو مضطر ان يختار من بينهم من هو أكثر اعتدالًا ،هذا إن وجدوا؟ ولكنه حتى بهذا ، لن يستطيع ان يقنع ألعالم بان إسرائيل التي يعرفونها ،لا زالت تلتزم بالصهيونية الليبرالية ،التي قامت عليها إسرائيل ، عشية تأسيسها على يد حزب العمل.

نتنياهو الغارق حتى أذنيه مثلهم ، في أحلامه التوراتية ،يريد بالمقابل ان يواصل مسيرته السياسية ،وسط هذا الزحام المتطرف ، وتتويجه كأحد أطول ملوك إسرائيل حكمًا في التاريخ اليهودي ، لكن نخبة المتطرفين على النقيض منه ،يريدون تصفية حسابهم والثأر من اليسار الاسرائيلي ، الذي يتهمونه بإقصائهم عن الحكم ،منذ تاسيس ألدولة ،كما يقول بعض الاسرائليين ، خاصةً وأنهم يعتبرون ذلك اليسار ،بالأقل حزمًا في الدفاع عن ارض إسرائيل ،وهذا ما جعل صحيفة الواشنطن بوست تقول ،بأن هزيمة اليسار والوسط آلتي جرت ،يجب ان تثير قلق أصدقاء إسرائيل ، بمن فيهم الولايات المتحدة ، خاصة وان ابن غفير يحمل أفكار حركة “كاخ”المعادية للعرب والمصنفة في واشنطن حركة ارهابية منذ زمن بعيد

في ظل هكذا سيناريو ،فان رئاسة نتنياهو اذا اقتصرت على هولاء ، ستكون صعبة للغاية ،وسيجد نفسه محصورًا بين مطرقة اليمين المتطرف وسندان واشنطن ،المنتظرة أصلًا مخرجات حكومته ،لترى ما إذا كان بوسعه ان يوازن علاقاته معها كما يأمل المتحدث باسم الخارجية الاميركية “التزام إسرائيل بالقيم المشتركة والمصلحة التي تقوم عليها العلاقات الامريكيه الاسرائيلية ” ، وذلك في اشارة واضحة للرئيس المنتظر وحليفه المقرب بن غفير ،خاصة في ظل علاقة مضطربة بين بايدن ونتنياهو ،كما تقول صحيفة نيويورك تايمز .

بايدن الذي لا زال يدعم فكرة قيام دولة فلسطينية ،ويختلف مع نتنياهو على بناء المستوطنات ، ربما لن يغفر للزعيم الاسرائيلي الجديد هجومه عليه في آخر خطاب له وهو في سدة الحكم عام ٢٠٢١ ،حين قارن فيه نتنياهو تردد بايدن في مواجهة برنامج إيران النووي ، بفشل رئيس امريكي سابق التحرك سريعًا لمواجهة هتلر في الحرب العالمية الثانية ، حين أشار نتنياهو قائلًا….. في ذروة الهلوكوست ،رفض ألرئيس روزفلت ضرب سكة حديد المانية ،كانت تقود اليهود الى معسكرات الإبادة ، كما رفض قصف غرف ألغاز ،وهو ما كان يمكن ان ينقذ حياة الملايين من اليهود.وربما لن يغفر له أيضا رفض إسرائيل الوقوف مع الحلف الغربي ضد روسيا في حربها مع أوكرانيًا ، بحجة انها بحاجة ماسة لعلاقاتها مع بوتين في الساحة السورية.

المحصلة ان نتنياهو ،الذي تفاخر بإنجاز السلام الإبراهيمي مع بعض ألعرب ،لا يدري في ظل نتيجة الانتخابات هذه ،كيف سيحافظ على هذا السلام ،ويصونه من اي انتكاسة ، حين يقود بن غفير كما وعد اقتحامات المسجد الاقصى ،بعد ان يتسلم حقيبة الأمن الداخلي التي يصرّ عليها ،وبعد ان يفوّض شرطتها-كما تعهد لناخبيه – بالبطش بالعرب ،وكيف ستستقيم في ضوء ذلك علاقاته المتوترة أصلًا مع الاردن ،وهو يصغي لمطالب هؤلاء بضرورة تغيير الأمر القائم في موضوع المقدسات ،لصالح مفاهيم توراتية ،في وقت مطلوب منه ان يقنع ألعالم بالوجه الجديد للمجتمع الاسرائيلي ، وتحوله للتطرف والعنصرية ، وبعض شركائه في الحكم يقول “يجب على اليهودي ان يعيش ولا يهتم بالأغيار ” ، هذا النص التوراتي ،الذي قالت عنه الصحافة الاسرائيلية ،بأنه سيكون صحيحًا وسيطبق في الساحة الاسرائيلية ،اكثر من اي وقت مضى ،اذا أعتمد نتنياهو على هذه المجموعة المتطرفة ،التي تريد ان تدير ألدولة ، وفق نصوص التوراة ،عوض أدارتها وفق سياسة الآباء المؤسسين الاوائل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

إغلاق