كتاب الموقع

“آسيان”.. بين الصين وأمريكا

ناصر التميمي

تستعد ثلاث دول في جنوب شرق آسيا، وهي كمبوديا وإندونيسيا وتايلاند، لاستضافة قمم عالمية كبرى خلال الشهر الحالي..

من المقرر أن يصل العديد من قادة العالم إلى بنوم بنه عاصمة كمبوديا لحضور قمة رابطة أمم جنوب شرق آسيا أو ما تُعرف بمجموعة الـ”آسيان”، والاجتماعات ذات الصلة يومي 10 و13 نوفمبر/تشرين الثاني، قبل التوجه إلى قمة مجموعة العشرين في مدينة بالي الإندونيسية في الفترة من 15 إلى 16 نوفمبر، وبعدها بيومين ستشهد العاصمة التايلندية بانكوك قمة منتدى التعاون الاقتصادي لآسيا والمحيط الهادئ أو “أبيك”.

حضور قادة العالم في قمة الآسيان ومجموعة العشرين وأبيك في الحقيقة يمثل “لحظة آسيوية” بامتياز، ويعكس أهمية منطقة الآسيان في نظر العالم وسط منافسة جيوسياسية محتدمة بين الدولتين العظميين، الولايات المتحدة والصين.

وتأتي قمة الآسيان وسط مساعٍ حثيثة من دول المجموعة للحفاظ على سياساتها الحيادية بين الولايات المتحدة، التي تعد أكبر مستثمر أجنبي في المنطقة، والصين الشريك التجاري الأول للآسيان.

ولعل حضور الرئيس الأمريكي، جو بايدن، يسلط الضوء على التحول في سياسة الولايات المتحدة لإعطاء الأولوية لعلاقاتها مع الآسيان بعد الغياب السابق والواضح لإدارة الرئيس دونالد ترامب.

في المقابل من المنتظر أن يزور رئيس مجلس الدولة الصيني لي كه تشيانغ كمبوديا في الفترة من 8 إلى 13 نوفمبر لحضور اجتماعات مع قادة الآسيان، والقيام بزيارة رسمية إلى البلاد والتوقيع على عدد من الاتفاقيات.

المنطقة لها أهمية استراتيجية واقتصادية عالمية لا يمكن تجاهلها، حيث تعتبر رابطة الآسيان، (تضم 10 دول، وهي: بروناي، وكمبوديا، وإندونيسيا، ولاوس، وماليزيا، وميانمار، والفلبين، وسنغافورة، وتايلاند، وفيتنام)، واحدة من أسرع الاقتصادات نموا في العالم، فمن المتوقع أن يتجاوز متوسط النمو الاقتصادي لدول الكتلة مجتمعة 5% خلال عامي 2022 و2023، وهو المعدل الذي من المتوقع أن تحافظ عليه الرابطة حتى نهاية العقد الحالي.

وفي حال قررت دول الآسيان في الوقت الراهن الإعلان رسميا عن إنشاء سوق اقتصادية موحدة، فإن ذلك يعني تشكيل كتلة كبيرة يبلغ عدد سكانها مجتمعة أكثر من 680 مليون نسمة (حوالي 9% من إجمالي سكان العالم)، ناتجها المحلي الإجمالي يتجاوز 3.6 تريليون دولار، والذي يؤهلها لتصبح خامس قوة اقتصادية في العالم (بعد الولايات المتحدة والصين والاتحاد الأوروبي واليابان)، وفقا لأحدث بيانات صندوق النقد الدولي.

يضاف إلى ذلك، تعتبر منطقة الآسيان مركزا تصنيعيا هائلا، حيث إنها تملك ثالث أكبر قوة عمل في العالم، وتعتبر رابع أكبر منطقة مصدِّرة للبضائع عالميا، كما تمثل سوقا جذابة تستقطب استثمارات خارجية كبيرة، فقد وصلت تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر إلى منطقة رابطة أمم جنوب شرق آسيا للعام 2021 إلى مستوى قياسي بلغ 174 مليار دولار، نصفها تقريبا من الولايات المتحدة، والاتحاد الأوروبي، واليابان، وكوريا الجنوبية.

تشمل الدوافع الرئيسية لزيادة تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر إلى جنوب شرق آسيا تنويع سلاسل التوريد الصناعية من قبل الشركات الغربية والأمريكية بعيدا عن الصين، خصوصا بعد الاضطرابات التي حدثت نتيجة جائحة كوفيد-19، والقيود التي بدأت تفرضها واشنطن على الشركات الأمريكية والأجنبية التي ترغب الاستثمار في الصين، علاوة على ذلك الاستفادة من الأسواق الاستهلاكية سريعة النمو في دول الآسيان.

ولا يقف الأمر عند هذا الحد، فالمؤشرات الاقتصادية المستقبلية لمنطقة الآسيان هي الأخرى واعدة، فمن المتوقع أن يتضاعف إجمالي الناتج المحلي لرابطة أمم جنوب شرق آسيا خلال السنوات العشر القادمة، أو إضافة ما يعادل حاليا اقتصاد دولة مثل المملكة المتحدة.

وعلى مدار العقد المقبل، ستكون منطقة الآسيان واحدة من المناطق الثلاث الرئيسية لمحركات النمو في منطقة آسيا والمحيط الهادئ، جنبًا إلى جنب مع الصين والهند.

ومع ذلك، هناك تحديات اقتصادية تنتظر دول الآسيان، ومن أهمها السيطرة على الديون والتضخم، والتكيف مع انخفاض نمو الصادرات والاستثمار الأجنبي، والتعامل مع أسعار صرف العملات المتدهورة، ونوبة أخرى من المضاربة بالعملات الأجنبية، إذا دخل الاقتصاد العالمي في ركود عميق.

والأهم، ينبغي على حكومات دول الآسيان معالجة الزيادة المتنامية في عدم المساواة في الثروة التي تفاقمت خلال الجائحة، والتي قد تشعل اضطرابات اجتماعية أو سياسية في بعض بلدان المنطقة.

كما أن التكامل الإقليمي لرابطة أمم جنوب شرق آسيا ليس عميقا، حيث لا تزال نسبة التجارة البينية في السلع منخفضة عند 21.3%، وتجارة الخدمات أقل من 12%.

علاوة على ذلك، 88% من الاستثمارات الأجنبية المباشرة في المنطقة تأتي من مصادر خارجية، وفقًا لأحدث بيانات من الأمانة العامة لرابطة أمم جنوب شرق آسيا.

الأهم، يتطلب نجاح “آسيان” توافقا نسبيا بين القوى الكبرى، لكن عندما تكون تلك القوى الكبرى عالقة في صراع وفق المعادلة الصفرية، كما هو الحال بين روسيا والغرب أو الصين والولايات المتحدة، فإن مهمة الحفاظ على حياد وتماسك مجموعة الآسيان تحتاج إلى توازنات دقيقة ومهارات دبلوماسية فذة، قد يصعب توفرها مع مرور الوقت.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

إغلاق