كتاب الموقع

معيشة الأردنيين وضغط اللحظة الراهنة

سمير الحباشنه

-1-

ورد في رؤية التحديث الاقتصادي التي أُقرت مؤخراً و بإعتبارها الإستراتيجية الإقتصادية المتوسطة المدى للدولة أن نسبة النمو المقدرة للأعوام العشرة القادمة هي بحدود 5.6% سنوياً، بينما ورد في بلاغ الموازنة لعام 2023 الذي صدر مؤخراً إن النمو المتوقع للعام القادم هو بحدود 2.7% سنوياً، مع نسبة تضخم تقارب 3%، يتضح من هذين الرقمين الصادرين عن نفس الجهة وهي الحكومة، ذلك التباين الحاد بين واقعية أرقام الموازنة والتي تمثل خطة الدولة المالية للعام القادم، وبين رؤية التحديث الاقتصادي التي تحلق بإرتفاعات عالية لا تقارب الواقع ولا تدرك معطياته.

إن علينا أيها السادة وحين نطلق أهداف إقتصادية طموحة،أن نضع الاليات التنفيذية الكفؤة لتحقيق تلك الأهداف، وأن تكون تلك الأهداف دقيقة و تلامس معطيات الواقع، لا مثل أن نقول أيضا أننا وفي خلال العشر سنوات القادمة سوف نوفر مليون فرصة عمل!، كلام لا يستقيم لا مع المعطيات الاقتصادية لبلادنا ولا مع حجم الاستثمارات الفعلية أو المتوقعة، ولا مع قدرة الدولة على جذب استثمارات جديدة، و التي تأن تحت وقع بيروقراطية إدارية خانقة .
-2-
واقع الحال وبصراحة وبعيداً عن التزويق الكلامي يقضي بأننا لا زلنا دولة لم تستطع أن تنتقل إلى مرحلة الدولة الجاذبة للاستثمار، بل أنها لم تستطع حتى أن تحفز رأس المال الوطني المكتنز داخل البنوك المحلية والبالغ حوالي 40 مليار دينار بأن يخرج من مخبئه وينخرط في سوق الإنتاج لإقامة المصانع والمشاريع التنموية المولدة للوظائف والاعمال وزيادة حجم الصادرات.. تحقيقاً للنمو المنشود.

فإذا كنا لم نستطع أن نحفز رأس المال الوطني بأن يستثمر في الأردن، فما بالنا نطمح إلى قدوم استثمارات خارجية! وبهذا الحجم المعلن والمبالغ فيه!، قال لي أحد الأصدقاء المتمولين من دول الخليج العربي وهو محب للأردن، حيث كنت أحثه على الاستثمار، قال لي: مع الأسف ان مسيرة الاستثمار في بلادكم معقدة وتعاني من بيروقراطية شديدة، أضف الى أننا لا نجد شركاء من المتمولين الأردنيين ليقدموا لنا الاطمئنان على سلامة استثماراتنا !.

وحين ننظر الى الاستثمارات الأجنبية القائمة حاليا في الأردن نجد أن أغلبها تقوم على شراء أو تملك أسهم بشركات أو مؤسسات قائمة بالفعل مثالها (البنوك وشركات الاتصالات أو الكهرباء وغيرها )، وهذا النوع من الاستثمار بلا فائدة تذكر، لا على الاقتصاد بمعناه العام ولا على الافراد، ذلك أنه لا يشكل أي قيمة مضافة للأقتصاد الكلي ( نمو الناتج القومي )، و لا يؤدي حتى إلى استحداث وظيفة واحدة، انه في الحقيقة ليس الا نقل ملكية من مستثمر إلى آخر، ولا يهم في هذه الحالة جنسية أي منهما.
( 3 )
ومع ذلك فانه اذا كانت خطة رؤية التحديث الاقتصادي خطة بعيدة المدى واستراتيجية، فأن علينا قبولها حتى تظهر نتائجها الفعلية، فان من الواجب أن ترافقها خطة طوارئ ذات نتائج فورية، خطة اقتصادية ذات بعد اجتماعي تذهب الى تبني مقاربة أكثر واقعية، مقاربة الالتفات إلى الطبقات الفقيرة وإلى من هم في أدنى سلم الطبقة الوسطى، فنسعى إلى تحسين أوضاعهم، أي بمعنى أن نذهب إلى توظيف جزء معتبر مما هو متاح من موارد وامكانات وطنية وتوجيهها الى تخفيف معاناة تلك الفئات المعوزة وما أكثرها.

ان الفقر يضرب أطنابه في الأردن، وهو انعكاس طبيعي لحجم البطالة غير المسبوقة، والى الركود الاقتصادي المرتبط بضعف القدرة الشرائية وقلة الاستثمارات الجديدة، فالأرقام الرسمية تتحدث عن نسبة بطالة تصل الى 25%، وهي بالتأكيد في أوساط الشباب وبالذات الشباب الجامعي تصل إلى 40% وبين الإناث تصل إلى 60% أيضا!، لذا علينا أن نلتفت إلى كيفية التخفيف عن تلك الفئات، فالأردنيون بأغلبيتهم الساحقة ما يزيد عن 90% من العاملين في القطاعين العام والخاص، أصحاب مداخيل هي بمستوى خط الفقر المعلن رسمياً تزيد أو تقل قليلا، وبالتالي فإن على الحكومة أن تذهب إلى خيار ضبط الأسعار والعودة بالسوق من سوق حر منفلت كما هو الآن، إلى سوق حرة منضبط كما كان في السابق.
( 4)
وهنا لا نتحدث عن إجراءات صارمة من شأنها تقييد الاقتصاد أو حركة السوق، لكننا نتحدث عن إيجاد سوق موازي فعال تنشئه الحكومة عبر منافذها الاستهلاكية المنتشرة في طول وعرض البلاد، بحيث تقوم الحكومة بدعم هذه المنافذ الاستهلاكية التسويقية بإعفاءات جمركية أو بإعفاء من ضريبة المبيعات،بحيث تكون هذه المنافذ التسويقية الاستهلاكية متاحة فقط للفئات المستهدفة بالدعم وبأسعار معقولة .
(5)
مطلوب على الحكومة أن تخفف من ذلك الحمل الكبير الذي تنوء بها الخزينة من حيث الرواتب الفلكية للهيئات والمؤسسات وحتى الشركات التي تمتلك بها الحكومة حصصا معتبرة، وأن تكف عن سلوك غير مقبول يظهرنا وكأننا دولة في غاية الغنى حين ننظر الى مداخيل ورواتب فلكية لفئة ضيقة مقابل جموع محرومة تمثل الأغلبية الساحقة من السكان، ولا زال جزء منهم يعيش في الخيم وكأننا في عصور ما قبل الدولة.
(6)
إن على المؤسسات العاملة والشركات المنتجة في بلادنا، والمنتشرة في البقاع الأردنية، أن تخصص نسبة محترمة من أرباحها لخدمة المجتمعات المحلية التي تتواجد بها تلك الشركات، وهو ما يعرف دوليا “بالمسئولية المجتمعية ” والمعمول به في كل دول العالم التي تخدم مواطنيها، وتسعى الى توازن معقول للثروة مع عدم تركزها لدى فئة ضئيلة، هذا دون التخلي عن مبدأ الحرية الاقتصادية كسبيل للأبداع والابتكار.

لقد زرت واحدة من أكبر الشركات في الدنمارك و وجدت ان هذه الشركة تخصص 30% من أرباحها لخدمة المجتمع المحلي، والسؤال كم هي نسبة ما تخصصه شركاتنا ومؤسساتنا الكبرى ذات الأرباح المعتبرة خدمة للمجتمع المحلي؟! .

وبعد .. أعتقد أننا بحاجة الى خطط أكثر واقعية ضمن ما هو متاح من إمكانات، بإعادة ترتيب أولوياتنا الوطنية نحو اتجاهات اجتماعية تخدم الأغلبية الساحقة من الناس وعدم الأكتفاء بالخطط المتوسطة والبعيدة المدى على أهميتها، فالناس في حال صعب يحتاجون الى إجراءات تخفيفية تحسن من واقع بائس يكتنف حياتهم و ضبابية مستقبلهم .

والله ومصلحة الأردن من وراء القصد..

إغلاق