كتاب الموقع

جدتي العمياء

 

بسام السلمان

كانت جدتي “أم امي ” فاطمة الشريف ام عبد العزيز عمياء وبحسب امي رحمها الله ورحم امها اصيبت بالعمى في وقت متأخر، عاشت عندنا فترة طويلة وكنت دائما دليلها اذا رغبت بالخروج من البيت، وكان اغلب مشاويرها لزيارة مقام الشيخ ارشد الزعبي وسط السوق والتبرك به، كانت هذه الظاهرة منتشرة بين الناس، ظاهرة التبرك بأولياء الله الصالحين، ولله الحمد انتهت هذه الظاهرة وانتهى معها الكثير من الامور التي لم تكن من الدين او التقرب الى الله بعد الوعي الكبير الذي نشره دارسو الشريعة بصورة صحيحة.

وكانت جدتي الزوجة الثانية لجدي المرحوم حسين السلمان احد وجهاء قرية الرمثا سابقا وشيخ عشيرة السلمان وكان لديها من الاولاد الذكور عبد العزيز وعبد الكريم وعبد المولى رحمهم الله ومحمد السعيد اطال الله بعمره ومن الاناث فقط امي رحمها الله، وتعلمت على يديها الكثير من الحكم والقصص، كانت تحكي لنا باستمرار عن قصص الابطال الشعبيين امثال الشاطر حسن، وحديدوان، ونص نصيص، وأبوزيد الهلالي، وعنترة بن شداد والجميلة فاطمة المغربية التي كانت صورتها تعلو احد جدران غرف بيتنا المتواضع، ولا اعلم مصدر هذه القصص والحكايات التي كانت تتقن فن روايتها لا ادري من اين حصلت عليها، ربما بالتوارث الشعبي.

كان ياما كان في سالف العصر والزمان، بهذه الكلمات البسيطة كانت تبدأ قصتها والتي وجدت انها مكتوبة في اغلب القصص من الف ليلة وليلة وصولا الى القصص المصورة التي باتت تطبع وتنشر حتى يومنا هذا، كان يا ما كان، عندما تنطقها جدتي العميا تصبح اذاننا صاغية بانتظار الحكايا وما ان تبدأ بها كراوية متمرسة حتى يسود الصمت الغرفة، حتى امي تسمع رغم انها سمعتها عشرات المرات منها او من غيرها ولكن القصة من جدتي العمياء كان لها وقع خاص سواء طريقة قصها وروايتها او حركات يديها وتعابير جسدها.

 

ما زلت عندما اغمض عيني اتذكر حكايات جدتي، وجدتي سيـّدة الحكي، جدتي صاحبة القلب النقي الأبيض وتنقلني ذاكرتي  الى مشواري من بيتنا في الحارة القبلية مرورا بشارع الوحدة الى المسجد العمري والى مقبرة الشيخ ارشيد الزعبي والمكوث هناك فترة ليست قصيرة ثم العودة، كنت وقتها طفلا لم يتجاوز العاشرة من العمر ولا اعرف كم كان عمرها ولكني اعرف انني كنت ” اقود ” جدتي العمياء التي كانت تمشي ببطء شديد.

وعندما اغمض عيني في احيان كثيرة اراها تجلس في مكانها وارى وجهها المليء بالوشم ” الدق ”  والذي كان يعتبر عادة اجتماعية متوارثة، وإحدى علامات الزينة والجمال، حرصت العجائز والجدات على اتباعها، منذ سنوات طويلة، قبل أن تندثر بمرور الزمن، لتنتشر لاحقا ظاهرة التاتو بشكل لافت بين فتيات الجيل الحالي، لتطوي بذلك ذاكرة إحدى العادات القديمة.

وكانت النساء، وبالتحديد، عند الأجيال ما قبل العشرينيات والثلاثينيات وصولاً الى جيل الستينيات من القرن الماضي، معتادة أن توشم أجسادهن بعلامات وخطوط، على اليد والقدم والجبهة، باعتبار ذلك جزءا من الجماليات التي كانت تثير أنظار الرجال وإعجابهم لكن هذه النظرة بدأت تتراجع، ولاسيما بعد صعود المد الديني الذي أثر بشكل كبير على بعض العادات واعتبرها محرمة. ولقد كانت العائلات في تلك الفترة تنتظر “الوشامة” عندما تزور القرية ما بين الحين والآخر، حتى لا تكبر الفتاة وهي لم تتوشم بعد، لتزداد جمالاً ومباهاة.

رحم الله جدتي العميا فاطمة الشريف ورحم الله امي وابي وجميع اموات المسلمين.

 

تعليق واحد

  1. اللهم نسألك واسع رحمتك ومغفرتك للمتوفيه جدتك ياأبو أحمد،، اليوم الوشم نشاهده على لاعبين الفطبول الأجانب بس مش مثل وشم اول ثابت حتى الموت،، المهم انت تذكرها لازلت وتترحم عليها،، تحياتى،،

إغلاق