العالم

“فضيحة في واشنطن” .. بايدن والجمهوريون و”الوثائق السرية”!

الرمثانت

فجأة تفجرت أزمة العثور على “وثائق سرية” تتضمن “معلومات حساسة” عن أوكرانيا وإيران وبريطانيا، في منزل ومكتب للرئيس الأميركي جو بايدن، تعود لفترة توليه منصب نائب الرئيس في عهد باراك أوباما، لم يسلمها في حينه للأرشيف الوطني كما ينص القانون؛ ما يشكّل إحراجاً شديداً لبايدن، في وقت تحقّق السلطات في احتفاظ سلفه دونالد ترامب بوثائق سرية في منزله. وجد الجمهوريون في الأزمة “فضيحة مكتملة الأركان”، فرصة على طبق من ذهب لعزل بايدن أو على الأقل قطع الطريق أمام ترشحه للرئاسة لولاية ثانية؛ إنه “شتاء خطر” في واشنطن!

صداع سياسي
دأبت الدول على الاحتفاظ بوثائقها السرية طي الكتمان، حفاظاً على الأمن القومي ووجود الدولة ومصالحها وخططها للتقدم ومواجهة الأعداء والمنافسين، تظل الوثائق في أضابيرها، أزمنة مختلفة، قبل أن يزاح عنها اللثام، بعضها يبقى في ظلام الخزائن، وبعضها يطفو إلى أيدي الباحثين والمهتمين، بحسب درجة السرية؛ حتى تستطيع الذاكرة أن تستكمل الحقائق اللازمة لاتصال فكرها العام وأن تملأ فجوات أو تعيد تصحيح تصورات قد تكون الظروف أثرت بها على السطح وشكل الحوادث؛ ليتمكن المهتمون أن يطلعوا على آليات صنع القرار وموجباته.

من أجل ذلك؛ ينص القانون الأميركي على أن تُردّ وثائق البيت الأبيض، إلى الأرشيف الوطني في الولايات المتحدة، بعد انتهاء عهد أي إدارة رئاسية، وفق قواعد تنظم كيفية الاحتفاظ بالوثائق السرية؛ بحيث يقتصر الوصول إليها على أشخاص لديهم تفويض خاص؛ وقد اكتشف محامو بايدن الشخصيون، قبل أيام من “انتخابات التجديد النصفي” في تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي، 10 وثائق، تحمل علامة “سري للغاية”، بصندوق، في خزانة مركز بايدن للدبلوماسية والمشاركة العالمية بجامعة بنسلفانيا، كما عثروا على وثائق أخرى، داخل مرأب الرئيس بمنزله في ديلاوير، وقاموا بتسليمها إلى الأرشيف الوطني، لكن لم يتم الإعلان عن الوثائق سوى في كانون الثاني (يناير) الجاري.

سبق للرئيس بايدن وأنصاره من الديموقراطيين أن وجهوا انتقادات حادة إلى الرئيس السابق دونالد ترامب؛ عقب العثور على 33 صندوقاً تحتوي على 11 ألف مستند بعضها سري للغاية بمنتجع ترامب “مارألاغو” في فلوريدا، في آب (أغسطس) الماضي؛ وبينما تحقق السلطات الفيدرالية في فضيحة إساءة استخدام ترامب وثائق سرية، تفجرت فضيحة “وثائق بايدن” ما يشكل إحراجاً شديداً للبيت الأبيض؛ أساء الرجلان التعامل مع المواد السرية؛ وينظر مدعٍ خاص في ملف كل منهما، لمعرفة الأخطاء التي ارتكباها.

شفافية الرئيس
اعتبر محرر الشؤون الأميركية نيك آلان في مقال بصحيفة “التلغراف” أن فضيحة وثائق جو بايدن السرية، أسوأ من فضيحة دونالد ترامب، في بعض النواحي؛ لافتاً إلى أن الوضع خطير للغاية بالنسبة للرجلين، يمكن أن يكون كل منهما قد ارتكب جرائم بموجب قانون السجلات الرئاسية وقانون التجسس؛ إذا كانا قد تصرفا “بإهمال جسيم”، ويذهب كثير من المحللين إلى أن ما حدث ضربة مدمرة لبايدن، ودفعة كبيرة لترامب قبل مواجهة محتملة بينهما، في انتخابات الرئاسة لعام 2024. تفسد “قضية الوثائق” ما كان متوقعاً أن يكون إحدى النقاط الرئيسية في هجوم بايدن على غريمه ترامب، وهي أن الناخبين لا يستطيعون الوثوق في ترامب بشأن تعامله مع أسرار الأمة، وهذا يترك بايدن تحت ضغط قانوني خلال الفترة المتبقية من ولايته، في سيناريو قد يكرر ما حدث مع سلفه ترامب، مع المحقق روبرت مولر الذي تولى التحقيق في مزاعم التدخل الروسي في انتخابات 2016.

حالياً، تبحث وزارة العدل الأميركية عن “مدى تعمد إساءة التعامل مع أسرار الحكومة”، لتقرر توجيه اتهامات جنائية من عدمه، وقد جرى بالفعل أن عَيّن وزير العدل ميريك غارلاند مستشاراً خاصاً للتحقيق هو روبرت هور، وبرغم أن الرئيس يتمتع بالحصانة من الملاحقة القضائية خلال وجوده في منصبه، فإن الواقعة تثير أسئلة محرجة للغاية حول شفافية الرئيس، لا سيما أن بايدن تلاحقه اتهامات أخرى في ملفات قانونية مفتوحة.

الاتهامات التي تتعلق بالأنشطة المالية والتجارية غير القانونية لعائلة بايدن، لا سيما نجله هانتر، أو ما يتعلق بتسريب معلومات شخصية للأميركيين لأغراض سياسية، أو التحقيقات بشأن مواجهة جائحة كورونا، أو الانسحاب الفوضوي من أفغانستان، أو أمن الحدود والمهاجرين، ناهيك بالأداء الاقتصادي في ظل الأزمة العالمية، ما يجعل بايدن في خطر حقيقي.

المشهد الأميركي يثير الفضول والمتابعة، الأمر في بدايته، ومن المنتظر أن يتصاعد خلال الأيام المقبلة. يسيطر الجمهوريون على مجلس النواب وحضورهم قوي في “الشيوخ”؛ وهم يتوعدون الرئيس بإطلاق تحقيقات موسعة؛ فقد دعا رئيس مجلس النواب كيفن مكارثي، إلى التحقيق مع بايدن في “قضية الوثائق”، بهدف عزله هو وعدد من مساعديه، باعتباره خطراً على الأمن القومي؛ والاتهامات إذا ثبتت صحتها ستكون كفيلة بعزل الرئيس بالفعل.

قالت النائبة الجمهورية عن ولاية جورجيا مارجوري تايلور غرين: “نحن بحاجة للتحقيق مع آل بايدن بلا توقف. لقد كنت صريحة للغاية بشأن عزل جو بايدن ونأمل بأن نتمكن من تحقيق ذلك في هذا الكونغرس”. وأضاف رئيس الرقابة بمجلس النواب جيمس كومر: “لقد انتقد الرئيس بايدن بشدة نقل الرئيس ترامب من طريق الخطأ وثائق سرية إلى مقر إقامته أو في أي مكان، ويبدو الآن أنه فعل الشيء نفسه، يا للسخرية”.

تعطيل الأجندة
يُذكر أنه بعد العثور على “وثائق سرية” في منتجع ترامب، قال بايدن إن طريقة تعامل ترامب كانت “غير مسؤولة على الإطلاق”… الآن بعد اتهام بايدن نفسه بإساءة التعامل مع المعلومات السرية، هاجم ترامب الإدارة الأميركية، واصفاً نفسه بأنه “ضحية للمدعين العامين الضالين والعفن والفساد في واشنطن”، في محاولة لمنعه من الترشح للرئاسة مرة أخرى، وتساءل: “متى سيقوم مكتب التحقيقات الفيدرالي بمداهمة العديد من منازل بايدن، وحتى البيت الأبيض”.

إنها أوقات عصيبة بالفعل لبايدن. في ضوء ذلك أكد البيت الأبيض أن الرئيس سيتعاون مع التحقيق بصورة كاملة، وأوضح محاميه ريتشارد ساوبر، في بيان “نحن على ثقة بأن التحقيق الدقيق سيُظهر أن هذه الوثائق كانت في غير مكانها عن قلة انتباه، وأن الرئيس ومحاميه تصرفوا على الفور عندما اكتُشف هذا الخطأ”. بينما شددت المتحدثة باسم البيت الأبيض كارين بيير، على أن بايدن يعمل بأكبر قدر من الشفافية. لكن صحيفة “الواشنطن بوست” أوضحت أن الأزمة تضع بايدن أمام خطر سياسي غير متوقع… يواجه تحقيق “مدع خاص”؛ بعد الكشف عن وجود وثائق سرية بحوزته، عقب انتهاء فترته كنائب رئيس، وأصبح بشكل مفاجئ فى مواجهة مشكلة سياسية متضخمة، تهدد بتعطيل أجندته وتقليل الزخم الذي كان يأمل باغتنامه، في منتصف فترته الرئاسية.

تحت ركام شظايا الأزمة تختفي صراعات أعمق ستكون لها ارتدادات حادة على المشهد الأميركي وبالتبعية العالمي. الجمهوريون بعد فرقتهم خلال انتخاب رئيس لمجلس النواب يتوحدون الآن، لإسقاط بايدن إن استطاعوا، حيث تدور عجلة فضيحة “الوثائق السرية”… وفي حين ينشغل كثيرون بما يجري على خشبة المسرح، ولا يتنبهون بالقدر الكافي إلى تلك الحركة الهادئة التي تمشي وراء الكواليس، حيث يوجد المشرفون والمديرون والمخرجون والفنيون من كل اختصاص، حركة هؤلاء بمثابة التحضير للعرض بما فيه من بلورة الفكرة وكتابة النص وترتيب المشاهد واختيار الأبطال والتأكد من تطابق شخصياتهم مع أدوارهم، عندما يرتفع الستار ويبدأ حوار المشاهد ويتواصل نحو مقاصده. الأجواء في واشنطن ساخنة للغاية برغم برودة الطقس الشديدة، ومرشحة للتصاعد، إنه فخار يكسر بعضه، وذاك حديث آخر!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

إغلاق