الرئيسية / كتاب الموقع / أخبرونا! … ما هي الحزبية؟

أخبرونا! … ما هي الحزبية؟

* النائب السابق ياسين بني ياسين*

ما زال الحديث عن الحزبية في الأردن غير واضح المعالم ولا محدد القَسَمات. وما زال المتحدثون عن الحزبية يطفون على سطح الحياة العامة (العمومية جِدًّا)، غير قادرين على أن يغوصوا قليلًا ليقنعوا الناس، جُلَّ الناسِ، بجدوى الأحزاب وأهميتها وفائدتها للوطن والمواطن، في المديات المنظورة، على الأقل.

وما زال الحديث عن الحياة الحزبية متقَوقعًا في إطار الوعود بالمستقبل الأفضل بمفاهيمه الواسعة الفضفاضة المتغيرة المتقلبة على جمر الغضا (أو السنديان أو البطم أو الخرُّوب). والمعنيون بهذا الأمر أنفسهم ما زالوا غير قادرين على أن ينقلوا أنفسهم ولا أن ينقلوا أحاديثهم خارج إطار النصيحة والتحذير: “لا تهاجر، يا قتيبة!”، ولا خارج إطار الوعد والوعيد بأنَّ “المستقبل أجمل”. فقتيبة ما زال ينتظر، ليس له «مِن نَّصِير» … والمستقبل الأجمل ما زال في «غَيَابَةِ الجُبِّ»، ولا سَيَّارةَ ليلتقطوه. ولا أدري إن كان صاحب الوعد الأول يعرف من هو قتيبة (وأمثال قتيبة)؛ ولا أدري كذلك إن كان صاحب الوعد الثاني يعرف معنى المستقبل أو معنى الجمال.

ويزداد الحالُ غموضًا والتباسًا وإرباكًا أن الأحزاب ما زالت تبحث عن الاتجاه الذي يمكن أن يوصلها إلى بداية الطريق. فلقد استرعى انتباهي صباح هذا اليوم قول أحد الحزبيين المرموقين (غير المخضرمين)، حفظه الله وحماه وحفظ حزبَه الموقَّرَ ورعاه، إن الحزبَ “ليس حزبًا دينيًّا ولا سياسيًّا ولا عسكريًّا”. وكان في حديثه هذا يَعني الحزبَ الذي هو عضوٌ بارزٌ فيه.

هذا كلام فيه الغرابة، كل الغرابة، ويثير في النفس الاستغرابَ، كلَّ الاستغراب. فأنا لا أظن أن المواطنَ الأردنيَّ ينتظر أن يكون الحزب دينيًّا (وإن كان الدينُ هو عمادَ الحياة العامة في هذا المجتمع)، ولا عسكريًّا (وإن كانت العسكريةُ هي ركيزةَ الأمن والاستقرار في هذا البلد)، ولا اقتصاديًّا صِرفًا، ولا ثقافيًّا خالصًا، ولا صحيًّا مجرَّدًا، على أهمية هذه المقومات. لكنَّ المواطنَ الأردني المهتم، لا شكَّ، يتوقعُ أن يكونَ الحزبُ سياسيًّا، من حيث المبدأ. وهذه هي الصفة العامة الرئيسة للأحزاب كلِّها، سواءٌ أَهُنا – في الأردن – أم عندَ الآخرين الذين يعتمدون الحزبية نهجًا يحكم حياتهم العامةَ وينْظُمُها ويضبِط إيقاعَها.

ليس هذا فحسب، بل إن المواطنَ الأردني، كأي مواطن واعٍ آخر في هذه الدنيا، يتوقع للحزب – أيَّ حزب ناجح فاعل – أن يكون ذا برنامجٍ شاملٍ لكل شؤون الحياة العامة، الدينية منها والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والصحية والأمنية (ومنها العسكرية طبعًا، وبما يناسب هذا الشأن وكل شأن آخر ذي علاقة). والحزب هو الذي يدير شؤون الحكم في الدول التي اختارت الحزبية نهج حكم (وحياة). فإن لم تكن هذه المواضيع (وغيرها) ضمنَ برنامج الحزب، وإن لم تكن له فيها رؤية محددة واضحة، فبماذا سيحكم؟ وكيف سيكون قادرًا على أن يدير شؤونَ الدولة؟

يا جماعة! نريد صورةً واضحةً لمفهوم الحزبية التي كنا نأمل أن تنظُمَ حياتنا العامة وتنظِّمَها في جميع أسسها ومكوناتها ومستوياتها، عاجلًا لا آجلًا. إننا لا نريد حزبية تكون مصعدًا جديدًا يرتقيه البعض منَّا ليصلوا إلى غاياتٍ أو أهداف أو مآرب شخصية.

يا جماعة! ليس لدينا كثير وقتٍ نشتته بين الوعود والمواعيد، دفعًا وجذبًا واسترخاءً. لقد سئمْنا و”هرمنا” وملَلنا الانتظار. نريد أن نصل المستقبل أو أن نقترب منه فعلًا لا أقوالًا لا تُسمِنُ ولا تُغني من جوع. نريد أن نرى الدورَ الحقيقيَّ للأحزاب في نَظْمِ الحياةِ العامة وإدارة شؤون الدولة قبل أن ينتهيَ مفعولُها في الدول الحزبية (الديموقراطية). إن مدةَ صلاحية الأحزاب في بلادها قد شارفت على الانتهاء.

أم هل تريدون أن يبدأَ عملُ الأحزابِ عندَنا – برؤيةٍ غائمةٍ – بعد أن تهترئَ الحزبيةُ وتخرجَ الأحزابُ عن العمل في بلاد الاحزاب؟

الأحد ١٠ ذو القعدة ١٤٤٥ هجرية
الموافق ١٩ أيار ٢٠٢٤ ميلادية