الرئيسية / كتاب الموقع / المال الأسود وزيت الزيتون الأسود… 

المال الأسود وزيت الزيتون الأسود… 

الأستاذ الدكتور ناصر نايف البزور
لطالما سمِعنا ونحنُ صغار وقرأنا دروس المطالعة والنصوص حول بعض المفاهيم والمصطلحات الإيجابية الدلالة مثل الذهب الأسود (النفط)، والذهب الأبيض (القطن)… ومع دخول حقبة الأعراس الانتخابية، وجدنا أنفسنا أمام مصطلح المال الأسود الذي يدفعه الأثرياء الذين يخوضون الانتخابات النيابية للحصول على الأصوات وشراء الذمم لقلب موازين الانتخابات أو تعزيز حظوظ مُترشِّح وتقويض حظوظ مُترشِّحٍ آخر…
وعلى سبيل المثال ومن خلال تجاربي الشخصية الكثيرة، دعوني أسوق إليكم هاتين التجربتين اللتين تعكسان هذين الجانبين من استخدامات المال الأسود:
التجربة الأولى حينَ حضرَ إلى بيتنا في فترة انتخابات 1993 أحدُ وكلاء المُترشّحين الهوامير لمقاعد مجلس النوّاب وقتها وقامَ بعرض مبلغ ثلاثة آلاف دينار على والدي، رحمه الله، حيثُ قال لأبي: “بعرِف إنّه ظروفك المادية مش كويسة هالأيام… وهاي مساعدة من أبو فلان… وهو لا يريدك أن تقوم بسدادها ولا يريد أيّ شيء منك…” فَفَهِمَ أبي، عليه شآبيب الرحمات، أنّ ذلك كانَ بهدف قيام أفراد عائلتنا بالتصويت لذلك المرشّح… وقد كنتُ موجوداً في تلك الجلسة وشاهداً على كلِّ ما قيلَ فيها… ورغم الضائقة المادّية التي كانَ يَمرُّ بها أبي، إلّا أنّه قامَ بطرد ذلك الشخص بأسلوب عنيف من البيت رغم وجود صداقة قديمة بينهما… وقال له: “الزلم ما بتنشرى يا… وما في عندنا أصوات للبيع…”
أمّا التجربة الثانية والتي تعكس الجانب الآخر مِن تأثير المال الأسود فكانت قبل شهر ونصف من الانتخابات الماضية؛ حيث حضرَ أحَدُ الفاسدين بلباس الصالحين إلى بيتي وعرضَ عليَّ مبلغ عشرين ألف دينار أردني قابلة للمفاوضات وللزيادة مقابل أن أترشّح للانتخابات البرلمانية في ذلك العام…وقال لي بمسوح الناصحين المُحِبّين: “يا دكتور ناصر ليش ما تنزل للانتخابات… انت زلمة الناس بتحترمك… انزل للانتخابات وهسا بعطيك عشرين ألف دينار…” ورغم إصراره الشديد وحلفانه بالله مراراً وتكراراً أنه يريد مصلحتي، فقد رفضتُ عرضه لأنّني كنتُ أعرفُ نواياه الخبيثة في ضرب عصفورين بحجرٍ واحد: فهو كان يريدني أن أستقيل وأفقد وظيفتي من جهةٍ والانتقام من أحدِ المُترشّحين الذي كانَ يُناصبه العداء مِن جهةٍ أخرى…🤔 ويومها قلت له: “أنا أستاذ جامعي ولا يغريني المال ولا تُغريني المناصب… فلقبي الأكاديمي والمهني الحقيقي والدائم Professor أعلى وأغلى من هذه الالقاب الفخرية الزائلة”
يا سادة، نحن نعلمُ أنَّ الهيئة المستقلة لطالما حرصَت بالتعاون مع الأجهزة الأمنية الأمينة على أمن الوطن على محاربة ما يُعرف بالمال الأسود مع انطلاق جولات الحملات الانتخابية كلّ بضعة سنوات… ولكنّنا اليوم ونحنُ أمامَ مصطلحات جديدة مثل الخبز الأسود، وزيت الزيتون الأسود، وزيت القلي الأسود، والرزّ الأسود، والكاز الأسود، والحرام الأسود، وصوبة الغاز السوداء والتي يقوم بعض المترشّحين بتقديمها بنوايا سوداء للمحتاجين والفقراء، فإنَّ جهود الهيئة المسقلّة والأجهزة الأمنية لا تكفي لمحاربة هذا الفساد وهذا الإفساد المستشري إلّا إذا كانَ أفرادُ الشعب على قدرٍ عالٍ وكبيرٍ من الوعي والأمانة والمسؤولية والحرص على مصلحة هذا الوطن وتغليبها على جميع المصالح الشخصية والفئوية والمناطقية والجهوية والآنية… #للعقول_الراقية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *