كتاب الموقع

عيدنا الأول من دون أبي

محمد هلال الزعبي

ها هو العيد قد عاد، وبأيّ حال قد عدْتَ يا عيد؟! عُدتَ من دون أبي .. عامودِ البيت.. وضياءِ الدار .. ومهجةِ القلب.. وزهرِ الحياة .. سامحكَ الله يا عيد .. لم نعتدْ على العيدِ إلا على صوتِك الجهورِ الدافئ يوقظنا منذ الصباح، فرحا لاستقبال يوم العيد .. كان صوتُهُ الحنونُ النديُّ يصدحُ في أرجاءِ البيت مع تكبيراتِ العيدِ القادمةِ من مآذن المساجدِ، ممزوجاً برائحة القهوةِ العربيةِ التي كانت أمي -أطال الله عمرها- تعدّها منذ الفجر، وكلما جاءنا ضيفٌ يكون أبي -رحمهُ الله- في غرفة الضيوف مستعداً لاستقبالهِ بكل حفاوةٍ وطِيب. وفي المساء، كنا نصحبه -رحمه الله- إلى بعض الأقارب والجيران، لتهنئتهم بالعيد، فكيف يجيء العيد وأنت يا والدي ليس بيننا؟! كان أبي أجملَ ما في عيدنا، وأذكر قبل حوالي عقد ونصف من الزمن، بأنَّ عيد الاضحى في ذات العام لم يكن جميلا ؛ لأن أبي كان حينها في الحج، فشعرنا حينها بأن ذلك العيد كان بلا طعم ولا لون، لم نذق طعم العيد حينها، وقد أخبرت والدي حينما عاد من الحج، بأن العيد لم يكن جميلا من غيرك، فابتسم ابتسامتَه الخجولةَ المعروفةَ لكل من يعرفه، وقال لي : الله يرضى عليكوا.. فكيف حالنا اليومَ أيها الحنون وأنت الآن قد فارقْتَنا، ترقد تحت الثرى بعيدا عنا يا كل شيء في حياتنا، ولن تكون معنا في هذا العيد ولا في أي عيد آخر !! ما أصعبَ الموت حينما يأخذ الأحبةَ من بين أهليهم، فلا يمهملهم حتى يجبروا كسرا قد حدث أو فراغاً قد تُرِك أو غربةً قد صدعت قربةً يتعطشُ القلب لملئها … !!! فلا يكون بيدك حيلة إلا أن تقول: رحمهُ الله .. ثم تصمتْ! أذكر حينما كنت صغيرا تفاصيل العيدِ مع أبي -رحمهُ الله- كنت أستيقظ منذ الفجر ولا أنام ليلة العيد الا بعد أن أؤكد عليه أكثر َ من عشرين مرة أن يوقظني على الفجر حتى أصحبَه إلى المسجد وأعيش العيد منذ لحظاته الأولى في المساجد، قلوبنا تملؤها السعادة حينما نجلس أمام ميكروفون المسجد يتوسطنا نحن أهالي الحي ونحن نشكل دائرة معظمها من الأطفال حتى نكبّر تكبيرات العيد الجميلة .. وكان والدي – عليه رحمة الله – يجلس عند المحراب يكبّرُ معنا بابتهاج حتى إذا ما حانَ وقت صلاة العيد، قام ليؤمّنا صلاة العيد ثم يعتلي المنبرَ ليخطب خطبة العيد، ثم نسلمُ على كل الحاضرين في المسجد .. رحمكَ اللهُ والدي الحنون .. وأسألُ الله تعالى أن يجعلَ عيدَكَ الآن أعيادا في جنات النعيم ، وأن يجمَعنا بك في الفردوسِ الأعلى، وأن يجعلَ ايامك كلها فرحا وسعادة وانت منعّم في جنات النعيم أيها الحنون … آمين .. آمين .. آمين .

إغلاق