كتاب الموقع

يا ابنَ الهواشم أخرج إليهم

د. عبدالله الزعبي.

تتهادى أنسام الخالدين في الخاطر والمخيال، تترأى ملامح العظام في الفؤاد والوجدان، مذ عتاب القرآن في الأعمى، عبس وتولى، وما يدريك لعله يزكى، مذ حصار شِعب أبي طالب، إذ تبعه القسم والرجاء، “والله لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر حتى يظهره الله، أو أهلك”. ثم تتوالى نفحات العبقرية تترى في الأصحاب، ذوي القوة والشكيمة، خطبة الصديق، أيها الناس: فإني قد وليت عليكم ولست بخيركم، فإن أحسنت فأعينوني، وإن أسأت فقوموني، الصدق أمانة، والكذب خيانة، والضعيف فيكم قوي عندي حتى أريح عليه حقه إن شاء الله، والقوى فيكم ضعيف حتى آخذ الحق منه إن شاء الله. ثم تكون صرخة ابن الخطاب خالدةً، أيها الناس: من رأى منكم فيّ اعوجاجاً فليقومه، فيأتي الجواب ساطعاً، حين تصدح العامة، ومضة من ضياء الشمس، والله لو رأينا فيك اعوجاجاً لقومناه بسيوفنا، ثم يكون الحمد لله الذي جعل في هذه الأمة من يقوم اعوجاج عمر بسيفه، إذ “لا خير فيكم إن لم تقولوها، ولا خير فينا إن لم نسمعها”.
ذات عام اقلعت فيه الغوادي والمزن، اسودت الأرض فإستحال لونها إلى الرماد إذ لا ماء ولا مطر، أو كأن الريح تسفي تراباً كالرماد، وربما أضحى لون الوجوه رماداً. ذات عام الرمادة، عام القحط والمجاعة، إذ اقسم عمر أن يهجر لذة الطعام، إذ يحضر له أسلم، من حر مال ذاك المولى الحر بعضاً من سمن وعسل، فيأبى الأمير إبن الخطاب، ويصدح بقولةٍ تترد ما زالت في ثنيايا الضمير الخائب، ” كيف يعنيني شأن الرعية إذا لم يمسني ما مسهم”. ذاك عمر، وتلك دولة بالأمس ملأت زوايا الشرق رغدا، من صميم التقى ريشت خوافيها، لو أنها في صميم العرب ما بقيت، لما نعاها على الأيام ناعيها.
اليوم في زمن الحصار والشِعب، قصة بني هاشم تكاد تتكرر، كأن حيدرة يدنو بذي الفقار على الفقر يقتله، يشدو عليٌ ذاك الشجاع لحناً ويبكي قهراً وظلماً، فيضحك الجبناء، كأنك تسمعه يتمتم قائلاً: أداء الأمانة مفتاح الرزق، قد مضى طوداً راسخاً، وزان بالحكمة والعدل والتقوى روابيها وبواديها. أيها الملك الأجل، يا أعز قبيلا، أخرج إليهم، لا ترقب في قومك عتاباً وقيلا، هم في متاهة الخوف والرعب والجوع هائمون، فرأي الجماعة لا تشقى البلاد به رغم الخلاف، ورأي الفرد يشقيها. يا ابنَ الهواشم: ما استبد اجدادك يوماً برأي، لكن الحكومـة تغري مسـتبديـها. يا ابنَ الهواشم دعنا نردد سوياً: ” كيف يعنيني شأن الرعية إذا لم يمسني ما مسهم”، ثم نمضي في الوطن سالمين.

إغلاق