حال البلاد

د. عبدالله الزعبي.
تروي السنون قصة جيل أوشك اليوم على التقاعد، لم يفصله عن حكم الغريب والمستعمر البعيد سوى عصبة الآباء، جيل خرج للتو من تيه سيناء، ينفض غبار العبودية، يبحث عن المكانة والحقيقة، في أقاصي العالم والعلم، يسلك دروب الغربة والحنين ويعاني البعاد، كان يرشد الغد والعزة، يتسلح بالأمل والعمل، يبني وطاناً ويصنع أمة، إذ حكم على نفسه بأن يبقى دائماً في الطريق، وما زال….يستجدي الوطن والحقيقة.
ذاك جيل يشهد اليوم حال البلاد ولوعة العباد، يكابد ما كان يحذر منه وينبه، على مدى اربعة عقود وينيف، يقتات الفتات ويطمع في حيز من الحظيرة، ما اسطاع أن يسمع حياً أو يصيخ ميتاً في القلب والبصيرة، أبصر العمر وزهرة الشباب تمضى سدىً، عايش أسراب الأيام تحوم في سمائه، ثم لمح الوطن يهوي في غياهب الفوضى والوثن. ذاك جيل ينظـر اليوم بصمت متعب في حقول القـمح والزيتون، في البيادر والكروم التي تسكن قلبه، يتقلـب فـوق ظـهر الحزن إذ يذوي بريق الشمس في عينيه. جيل أدرك ملامح الحاضر مذ أمد قصي، كان يخشى أن يقضي بقية حياته فيه، حاضر أخفق في الإعداد له….ففقده، واليوم يعجز عن فهم وإستقراء الأمس والبارحة وأصيل الشمس في الأفق، ذلك في زمن العلم وذكاء الآلة، وصدى الكلمة إذ تنتقل بسرعة الضوء.
هو جيل يرقب اليوم حراكاً يرى وجه الوطـن فـوق أضواء القمر، كل خميس، يـلتمس اليقين، يروي قصة البسطاء، يصرخ من تحت الأشلاء، يستل خيوط الضوء والشجن، تهوي أناته في الليل الحزين، تترد صيحاته مدوية في جحور العُنة والعجز، صيحات هادرة في وجه الفساد الأسود، ذاك القبيح الذي أوصد أبواب الوطن في وجه الكرامة والأمل، وطن ضاق بالحلم والراحة، وطن يكاد يبخل في اللقمة والمأوى وحتى الكفن.
ما بين ذاك الجيل والحراك، قـد حان وعد الرجوع للوطـن، إذ أدمى الفـؤاد منذ سنين، ميعاد خلع ثوب الوهن والجشع، زمن الربيع والثورة على اليأس والخنوع، وعد الطهر وغسل العار، قبل أن يأتي الموت الجبان والردى، هي دعوة التوبة للوطن ولله في علاه. ليت ذاك الجيل يسدل ستارة الخوف قبل التقاعد، يغلق نوافذ العمر والخطيئة، يلتزم الحقيقة، يمد يده ويهمس بخجل، أن ذاك الوطن حياتي ولحدي….ذاك ما يصدح به الحراك، وذاك الشاهد من أهله….تقرير “حال البلاد”، إذ به تقطع جهيزة قول كل خطيب.

اضغط هنا لزيارة صفحة الرمثا نت عبر الفيس بوك

لا توجد تعليقات

أضف تعليق

تذكر دائما قول الله تعالى : مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ