كتاب الموقع

عام مضى وأحداثه لا تزال حاضرة

اميرة ابو الفتوح

منذ أيام طوى عام 2022 صفحاته ورحل ليلحق بسنوات خلت، بعد أن سلم ملفاته لعام جديد لا يعلم إلا الله ماذا يخفيه لنا بين طياته، وإن كانت كل المؤشرات تشير على أنه الأسوأ من أخيه الذي أورثه أزماته بعد أن عجز عن حلها!

لعل أهم أحداث العام المنصرم وأكثرها تأثيراً على العالم بأسره، هي الحرب الروسية الأوكرانية والتي تقترب من عامها الأول، ولا تزال حامية الوطيس ولم تحسم بعد. والعالم كله يعاني من آثارها والتي قد تتسبب في مجاعة عالمية بسبب نقص الحبوب والقمح والمحاصيل الأخرى التي كانت تصدرها أوكرانيا وروسيا لدول العالم، وتحكم فيها الآن “بوتين“، ولم يفِ بتعهداته للأمم المتحدة، مما تسبب في أزمة عالمية في الغذاء ارتفعت بسببها الأسعار بشكل جنوني، كما أنه يهدد أيضا بعدم تصدير الغاز إلى أوروبا رغم الاتفاقيات المُبرمة سابقاً مع دولها، مما يعطل المصانع عن العمل، ولقد توقفت بالفعل بعض المصانع، وللأسف لم تستطع إيجاد البديل للغاز الروسي حتى الآن على الرغم من محاولات الرئيس الأمريكي “جو بايدن”، أن يوفر مصادر الطاقة من خلال زيارته للسعودية في تموز/ يوليو الماضي، وأن يقنع ولي العهد “محمد بن سلمان” بزيادة إنتاج السعودية للنفط الخام لخفض الأسعار، ولكنه خذله في اجتماع “أوبك”، الذي أقر بخفض الإنتاج بمليوني برميل يوميا، أي نحو 2 في المئة من الطلب العالمي..

هذه سياسة الأرض المحروقة التي ينتهجها ويتقنها المجرم بوتين وسبق وان طبقها في الشيشان وفي سوريا الحبيبة، ولكن المجتمع الدولي المنافق لم يدنه ولم يحاسبه أو حتى يوجه له اللوم من باب العتب، كما يجمع اليوم على ضرورة التصدي له ومعاقبته على إجرامه، وإحالته إلى المحكمة الجنائية الدولية!!

وعلى الرغم من أن الاتحاد الأوروبي ومجموعة الدول السبع وأستراليا قد فرضوا حد أقصى لسعر برميل النفط الخام الروسي المنقول بحراً عند 60 دولار للبرميل، في خطوة تهدف إلى الحد من إيرادات موسكو لحرمانها من وسائل تمويل حربها ضد أوكرانيا، مع الحفاظ على تدفق النفط الروسي إلى الأسواق العالمية، إلا أن روسيا حذرت من تقليص إنتاجها بين نصف مليون و700 ألف برميل نفط يومياً، وأنها لن تبيع نفطها بموجب هذا السقف، فهي تبيع معظم نفطها لدول رفضت إدانة الحرب في أوكرانيا مثل الصين والهند..

ليست أوكرانيا فحسب التي تعاني من ويلات الحرب المجنونة التي شنها قيصر روسيا الجديد “فلاديمير بوتين”، الذي احتل بعض أقاليمها في الشرق وقصف المدن الأوكرانية ودمر بنيتها التحتية تماماً، وحرق محاصيلها الزراعية وقصف محطات الكهرباء لتعيش المدن في الظلام وليعيش الأوكرانيون في برد الشتاء القارس بلا تدفئة، فهذه سياسة الأرض المحروقة التي ينتهجها ويتقنها المجرم بوتين وسبق وان طبقها في الشيشان وفي سوريا الحبيبة، ولكن المجتمع الدولي المنافق لم يدنه ولم يحاسبه أو حتى يوجه له اللوم من باب العتب، كما يجمع اليوم على ضرورة التصدي له ومعاقبته على إجرامه، وإحالته إلى المحكمة الجنائية الدولية!!

لا شك أن دب الكرملين العجوز، يدرك تماماً بعد كل هذه الأشهر من الحرب والتي لم يستطع تحقيق النصر فيها، أن التحالف الغربي بقيادة الولايات المتحدة عاقد العزم على تكبيده أثماناً باهظة وأبرزها خسائر استراتيجية لموسكو، مع فرض المزيد من العقوبات على شخصيات وقطاعات تشمل قطاع النفط والغاز.

لقد فقد القيصر المزعوم عقله تماماً، بعدما غاصت قواته في الرمال الأوكرانية ووقع في الفخ الأمريكي، الذي أرى أنها نصبته له بمهارة فائقة وحنكة ودهاء شديدين، فالحرب التي بدأها في شهر شباط/ فبراير من العام المنصرم اعتبرها عملية خاصة، كما فعل من قبل في حربه الأولى ضد أوكرانيا عام 2014، وضم شبه جزيرة القرم لروسيا بالقوة لتغيير خريطة أوروبا بقوة الأمر الواقع، ما جعله يخطط لحرب ثانية خاطفة وسريعة يقضي فيها على الرئيس الأوكراني “فولوديمير زيلينسكي”، إما بالاعتقال أو بالاغتيال وإسقاط حكومته والإتيان بحكومة موالية لموسكو، لتعود أوكرانيا بعدها للدوران في الفلك الروسي وتكون منطقة عازلة إلى الأبد وحائط صد أمام حلف الناتو..

أضاع قيصر روسيا المزعوم قوة وهيبة وشرف الجيش الروسي، فعلى الرغم من أنه ثاني جيش في العالم إلا أنه تلقى ضربات موجعة من الجيش الأوكراني ومني بهزائم عديدة في كثير من مواقع القتال، ودُمر الكثير من أسلحته الاستراتيجية، وقُتل العديد من جنرالاته، ولم يستطع إسقاط كييف وهزيمة أوكرانيا

لقد كان قيصر روسيا المزعوم، يحسبها نزهة يقضى فيها سويعات ويأتي برأس الغنيمة (أوكرانيا) ويبتلعها في لقمة واحدة، ويعيدها للإمبراطورية الروسية كما كانت إبان فترة القياصرة التي يريد أن يعيد أمجادها ويتوج على عرشها، فإذا به يصبح معزولاً ومحاصراً، لا يستطيع السفر خارج محيط روسيا، بينما الرئيس الأوكراني “فولوديمير زيلينسكي”، يزور الولايات المتحدة ويُستقبل استقبال الفاتحين في البيت الأبيض أو في الكونجرس اللذين أعلنا التزامهما التام بتقديم الدعم الكامل لأوكرانيا حتى النصر، وفُتحت له الخزائن الأمريكية لتزوده بمليارات الدولارات، وفتح له البنتاجون مخازنه لتمده بأحدث الأسلحة وتزوده بنظام باتريوت للدفاعات الجوية..

لقد أضاع قيصر روسيا المزعوم قوة وهيبة وشرف الجيش الروسي، فعلى الرغم من أنه ثاني جيش في العالم إلا أنه تلقى ضربات موجعة من الجيش الأوكراني ومني بهزائم عديدة في كثير من مواقع القتال، ودُمر الكثير من أسلحته الاستراتيجية، وقُتل العديد من جنرالاته، ولم يستطع إسقاط كييف وهزيمة أوكرانيا، بل إن الأقاليم التي احتلها (لوغانسك ودونيتسك وخيرسون وزابوريجيا)، وضمها قسرياً إلى روسيا في استفتاء صوري، لا تزال قواته تقصفها بشكل دوري، بعدما مُني الجيش الروسي بخسائر فادحة واضطر للتراجع، على الرغم من أنها أصبحت أراضي روسية بقوة الأمر الواقع وصدق على ذلك الكرملين!

إن الولايات المتحدة لا تقدم كل هذا الدعم لأوكرانيا لوجه الله أو حباً في أوكرانيا وغراماً بزيلينسكي، بل حباً وغراماً لأمريكا نفسها، فهي تخطط لإطالة أمد الحرب إلى أبعد مدى ممكن لأسباب جيوسياسية بحتة؛ أولاً لتثبيت دعائم الهيمنة الأمريكية على العالم والحيلولة دون صعود أي قوة أخري منافسة لها، فهي تحارب روسيا بالوكالة على أرض أوكرانيا دون أن تتورط بدخولها عسكريا أو تنخرط في الحرب بجيشها..

لقد وقعت روسيا في المصيدة الأمريكية وانزلق بوتين بغروره في الفخ الذي أعدته له أمريكا بإحكام، وتحولت عمليته العسكرية الخاطفة إلى حرب استنزاف بلا أفق..

دُفعت أوكرانيا لحرب كانت في غني عنها وكان من الممكن تفاديها، دمرت بلادها وشردت شعبها وحصدت الآلاف من جنودها، لولا أن زيلينسكي بغبائه السياسي لم يدرك أنه دمية في يد أمريكا استخدمته لتحقيق أهدافها، فلتحترق أوكرانيا كي تظل أمريكا القطب الأوحد في العالم

كما دُفعت أوكرانيا لحرب كانت في غني عنها وكان من الممكن تفاديها، دمرت بلادها وشردت شعبها وحصدت الآلاف من جنودها، لولا أن زيلينسكي بغبائه السياسي لم يدرك أنه دمية في يد أمريكا استخدمته لتحقيق أهدافها، فلتحترق أوكرانيا كي تظل أمريكا القطب الأوحد في العالم، فالغاية هنا تبرر الوسيلة كما قال “ميكافيللي منذ أكثر من 500 عام، إنها لعبة الأمم كما أسماها “مايلز كوبلاند”، في كتابه الذي لم يفهمه الممثل الكوميدي!

بلا شك فيه أن الولايات المتحدة تريد أن تستنزف روسيا لأقصى درجة ممكنة، بعد أن أغرقتها في المستنقع الأوكراني؛ لإضعاف قدراتها العسكرية وإفقاد الجيش الروسي هيبته وسمعته وإظهار ضعفه وهشاشة أسلحته أمام العالم، فينفض الطلب عليه ولا يجد سوقاً لتسويقه وبيعه..

وثانياً أنها تريد إضعاف قوة روسيا الاقتصادية، فالعقوبات الاقتصادية الشديدة وغير المسبوقة والتي فرضتها أمريكا والاتحاد الأوروبي على روسيا تؤتي أكلها على المدى المنظور، وإن حاول بوتين أن يتخطاها ببعض القرارات الاقتصادية الاحترازية والتعاملات في البنوك الروسية التي فرضها على رجال الأعمال والمستثمرين وضرورة التعامل بالروبل، ولكن هذا لا يعني إنقاذ الروبل من السقوط في نهاية المطاف وهو ما بدأ مؤشره يظهر بقوة مؤخراً، ومع مرور الوقت تتفاقم الأزمات الاقتصادية وتزداد معاناة الشعب الروسي ويضيق ذرعاً ببوتين الذي ورطه في هذه الحرب العبثية، ليقوم بثورة ضده ويزيحه عن الحكم، وربما في المدى البعيد وبعد أن تخرج روسيا منهكة من الحرب مكبلة بالديون والأعباء يتفكك الاتحاد الروسي كما تفكك الاتحاد السوفييتي سابقا، وبهذا تكون أمريكا قد حققت هدفها..

يحاول أن يظهر بالرجل القوي ويبدو في صورة قيصر روسيا الجديد الذي جاء ليعيد أمجاد إمبراطورية روسيا القيصرية، ولكن ليس العالم اليوم كما كان إبان القياصرة، ولن يسمح النظام العالمي لدولة فاشية مفرطة في التسليح وتحتل أراضي الدول المجاورة، وتقوم على استغلال وتقويض النظام العالمي

وهنا يحضرني قول السياسي المخضرم ومهندس الحرب الباردة، أو كما يسمونه ثعلب السياسة، وزير خارجية الولايات المتحدة الأسبق “هنري كسينجر”، إنه “ليس من مصلحة أمريكا أن تحل أي مشكلة في العالم، لكن من مصلحتها أن تمسك بخيوط المشكلة وتحركها حسب المصلحة القومية الأمريكية”، وإن كان للرجل رأي مختلف في الحرب “الروسية الأوكرانية”، فقد كتب مؤخراً مقالاً بعنوان “كيفية تجنب حرب عالمية أخرى”، يحذر فيه من إلحاق الهزيمة بروسيا ويدعو إلى ضرورة الحفاظ على دور روسيا التاريخي وإن مالت للعنف، وفضل إيجاد حل سلمي من خلال المفاوضات. وقد سبق ان قال في المنتدى الاقتصادي العالمي بدافوس: “إن أوكرانيا يجب أن تتنازل عن جزء من أرضها لروسيا”، مما فتح عليه سيلا عاصفا من الانتقادات والاعتراضات، وكان من الطبيعي أن يكون “زيلينسكي” أول المهاجمين له قائلاً إنه لا يهتم بمصالح أوكرانيا، وأنه من الماضي السحيق، ويذكره بأننا في العام 2022 ولسنا في 1938، عندما وقعت بريطانيا وفرنسا وإيطاليا اتفاقية مع ألمانيا في ميونخ، منحت هتلر أراضي تشيكوسلوفاكيا، لإقناعه بالتوقف عن مواصلة التوسع..

نعم بوتين ليس بقوة وهيبة هتلر ولا يمتلك الكاريزما ولا الشعبوية التي تؤهله لذلك وإن كان الإعلام الغربي يحاول تشبيهه به دائماً، ويبدو أنه هو الآخر سعيد بهذا التشبيه، فيحاول أن يظهر بالرجل القوي ويبدو في صورة قيصر روسيا الجديد الذي جاء ليعيد أمجاد إمبراطورية روسيا القيصرية، ولكن ليس العالم اليوم كما كان إبان القياصرة، ولن يسمح النظام العالمي لدولة فاشية مفرطة في التسليح وتحتل أراضي الدول المجاورة، وتقوم على استغلال وتقويض النظام العالمي، بأن تكون ركيزة لذات النظام كما يريد الدبلوماسي العجوز كسينجر البالغ من العمر مئة عام.

twitter.com/amiraaboelfeto

إغلاق