كتاب الموقع

أحلام وردية

 

محمد خالد بديوي

قالوا في الأمثال الشعبية:
{دنيا ماش مثل طيات لقماش
مثل “حلّام” بالليل يوم قعد
ما لقاش.}
يروي أحدهم أنه ذات حلم عثر على
مبلغ هائل من المال في السهل البعيد ؛ فأحضر “شوال” وبدأ بحشو الأوراق المالية فيه، وكان كلما امتلأ “الشوال” يرى أن ما بقي على الأرض قد ازداد أكثر وأكثر ما كان يدفعه
للضغط وبقوة على ما وضعه في “شواله الكبير” وهكذا حتى وصل الى قناعة بأن ما استوعبته وسيلته الوحيدة المتوفرة هو نصيبه، وربما يكون له جولة أخرى لجمع المزيد.
حمل “الشوال” على ظهره وأسرع عائدا الى بيته، ولاحظ من خلال التفاتة سريعة للخلف تساقط الأوراق المالية من ثقب واسع
في أسفل “الشوال الكبير” ما دفعه لدس بعض أصابعه بقوة في الثقب ليسده ويتوقف سقوط المال، ولكنه
حين أفاق من حلمه كان يشعر بألم شديد.. وأن أصابعه جاءت في مكان غير مناسب!
ثم قال: كنت محظوظا ان الحلم مهما طال فإنه يأتي خلال اجزاء من الثانية .. ولا أدري لو أن الحلم كانت مدته دقائق أو أكثر، كيف سيكون حالي حين صحوت.!!

الأحلام؛ خلال النوم قد تعبر أحيانا عن حال الرائي وما يريده..أو ما يفكر فيه في أحلام اليقظة وما يتمنى في صحوه ومنامه؛ والسهل قد يعبر عن سهولة تحقيق ما يريد في حياته، لأنه يرى في واقعه ان هذا الأمر قد بات قريبا وخصوصا إذا تخلى عن القيم والأخلاق والمبادئ التي لم يتجرع منها سوى المرارة..كما يظن هو، و”الشوال” هو وسيلة للتعبئة والحمل جاء هكذا.. وكأن الله سبحانه أرسله له في الوقت المناسب.
أما سقوط الأوراق المالية التي تم حشوها فيشير إلى ان المرء معرض للطمع وان النفس لا تشبع..فجاء الثقب بعد التفاتة غير مقصودة للوراء..نعم..لقد أسرفت وفي كل شئ!
أما الأصابع؛ فنتيجة حتمية لكل
من حمل ما ليس له، وقد استباح ما حرم الله تعالى وتحت مسميات كثيرة منها (الشطارة) التي باتت عرفا عند أصحاب القلوب المصابة بالصدأ، والنفوس المريضة، بل وتلقى تشجيعا من أغلب معارفه.

أما لماذا لا يسمعون ولا يعيرون الناصح التفاتة..ربما لأن للمال سكرته، ولأن الحالم يطفئ رذيلته ببعض الصدقات العجيبة الغريبة.

كلنا معرض للأحلام..فلا أثم على حالم تمنى ودعا ربه ان يغير أحواله.. لكن للأحلام قواعدها حتى تتحقق، فلكل شئ سببا..والأخذ بالأسباب يعد عبادة ويشير إلى عقل فطن وكيس والى قلب يعرف حدود الله تعالى فيخشى الخوض بما نهي عنه.

أعلم ان البعض سيتهمني (بالهبل) حين يقرأ كلامي، ظنا منه بأن السهل واسع.. وأن “شواله” محكم لا مجال لحدوث الثقوب..وأن أصابعه الغليظة لن تأتي في مكان غير مناسب.
المصيبة أنه يظن بأن لا أحد لاحظ مشيته حين خرج …لقد كان مثل الذي أراد تقليد الطريقة التي يمشي بها أحدهم، وحين عجز، حاول الرجوع إلى مشيته القديمة التي نسيها، فمشى (مفوchحة) رغما عنه.. ويا ليته فهم المثل الشعبي

” دنيا ماش مثل طيات القماش
مثل حلّام بالليل لما قعد ما لقاش”

وأكثر من هذا ؛ لأن المكان غير المناسب قد تضرر كثرا وصار بحاجة دائمة إلى ال (نيو هيلر) وما يشبهه من الأصابع الأخرى!!

‫2 تعليقات

  1. اكثر ما لفت نظري منذ القراءة الأولى، هو الربط بين موضع الأصابع، والتخلي عن القيم والمبادئ والأخلاق، وان هذه شرط لحصول تلك.
    رمزية رائعة، تعبر عن فكرة عامة
    انت استاذ.

    1. قراءة متحت من العمق البعيد فكان الربط موفقا. في الساخر أحب الترميز مع ترك المفاتيح للقراءة، أرى ان ذلك يعطي أبعادا مختلفة ويضفي على النص جمالا..كما أنني أفكر بالمتلقي الذي قد لا يلتفت إلى ضرورة الربط أو الكشف، فيخرج على الأقل بالمتعة حين يقرأ.
      أستاذي العزيز واخي الجميل غالب أبو ياسين شكرا جزيلا على هذا الحضور الكبير والقراءة المائزة. سلمتم وسلمت روحكم النقية محلقة.
      مودتي واحترامي

إغلاق