الرئيسية / كتاب الموقع / حكاية لها معنى واحد.. لا تتجاوزه

حكاية لها معنى واحد.. لا تتجاوزه

حكاية لها معنًى واحد … لا تتجاوزه!*  * النائب السابق ياسين بني ياسين*  *الليلُ سكونٌ في كلِّ جَنَبةٍ من جَنَباته؛ وأحد المؤمنين العابدين يصلي في ركنٍ من أركان بيته في هدأة متأخرة من تلك الليلة، خاشعًا في صلاته خشوعَ من يريد أن يتقرب إلى ربه في هذا الوقت الذي نامت فيه كلُّ عين، إلا عينًا باتت تبكي من خشيةِ ربِّها وتقرُّبًا إليه، وعينًا باتت تحرس في سبيله وحمايةً للدينِ والوطن.*  *بعد أن ركع العابد ما ركع وسجد ما سجد وابتهل ما ابتهل، وبينما هو على تلك الحال من التهيُّب والخشوع والاطمئنان في عبادته، يلفُّه سُكونُ الليل من كل جهة، ظهر له شيخٌ جليل المنظر، بهيُّ المظهر، تبدو على محياه علامات الهيبة والثقة والتُّؤَدَةِ والوقار … أو هكذا بدا ذلك الشخص للعابد الأوَّاب.*  *لمَّا رأى العابدُ الشيخَ يظهرُ له على هذه الصورة، فجأةً، ومن حيث لا يحتسب، مدَّ يديه دون وعيٍ أو تفكير نحو الأسفلِ، يريد أن يُلملِمَ أطرافَ ثوبِه ليُسهِّلَ لنفسه الهرب، إن استطاع إلى الهربِ سبيلًا.*  *لم يَخْفَ على الشيخِ الزائرِ تهيُّبُ العابد وارتعادُ فرائصه ورغبتُه في الهرب طلبًا للنجاةِ، فبادرَه بقوله: “اطمئنَّ ولا تخف، أيها العابد العزيز! فأنا صديقٌ آتيك في هذه الساعة لكي أُنقذَكَ من موتٍ محقق هو أقربُ إليك من أطرافِ ثوبِكَ. أيها العابد! إن بيتك هذا متهالكٌ، وسينقضُّ بعد فترة لن تطول. فانجُ بنفسك قبلَ أن يحتويك الرُّكَامُ.”*  *قال الشيخُ المُطيفُ هذا الذي قالَ بثقةٍ وهدوءٍ وصدقٍ ظاهرٍ طردتْ من نفس ذلك العابدِ كلَّ شكٍّ أو توجسٍ أو ريبة. فاندفع خارجًا من بيته دون أن ينطق بكلمة واحدة.*  *ما كان هذا العابدُ يضع آخر رجليه خارج عتبةِ البيت حتى سمعه وهو يتهاوى ويخرُّ على أسسه، دافنًا كل ما كان تحت سقفه.*  *وقبل أن يرتدَّ إلى العابدِ طرفُه رأى صانعَ المعروف يقف منتصبًا بين يديه، كما ظهر له أولَ مرة. وصاحبُ المعروف هذه المرة كانت تعلو وجهَه علاماتُ الرضا، وترتسم على شفتيه ابتسامةُ الانتصار.*   *هوى العابدُ على يدِ الشيخ ليلثمَها، فلم يلقَ امتناعًا ولا تمنُّعًا من صاحبِ الفضل، زائرِ منتصف الليل، المُنقذِ المَهيبِ.*  *سحبَ الزائرُ يدَه بسرعة البرق. وما كاد يفعلُ ذلك حتى سمعه العابدُ يسأله: “أتعرفُ من أنا، أيُّها العابدُ؟” ويجيبُ دونَ انتظار: “أنا أبو مرَّة.”*  *”ومن أبو مرة، يا شيخ؟ أتقصد …؟”*  *وقبل أن يُكملَ العابدُ سؤالَه أتتهُ الإجابةُ الفاجئة: “أنا مستشار أبي هابيلَ وأمِّ هابيلَ في الجنة، قبلَ أن يهبطا الأرضَ، وقبلَ أن يُرزَقا الذُريَّة. أنا رفيقُكم، يا بني آدم، يا أشقاءَ هابيلَ وقابيلَ وأختِهما، وصاحبُكم وناصحُكم إلى يوم القيامة.”*  *فانتفضَ العابدُ من هول المفاجأة، وقال: “إنَّ ما نعرفُه عنك، أيُّها ال…، غيرُ ما فعلتَ هذه الساعة. أنا عابدٌ مؤمنٌ بالله، وما أديتَه لي الليلةَ ليس من طباعك ولا من أعمالكَ مع العابدين المؤمنين، يا أبا مرة. ما عهدنا هذا منكَ على مرِّ الدُّهور. ألا تذكرُ فعلتَك مع آدمَ وحواءَ حين وسوستَ لهما فكنتَ سببَ إخراجِهما من جنة الفِردَوْس؟ ألا تذكرُ ما فعلتَه لتشعل نار الفتنةِ بين قابيلَ وأخيه هابيلَ، وكيف زينتَ لقابيلَ قتل أخيه هابيل؟ ألستَ أنتَ من يقفُ عقبةً على طريق كلِّ خيرٍ، محاولًا منعَ كلِّ معروفٍ أو عملٍ يرضاه الله؟ هذا ما نعرفه عنك، ومنذ أن بدأت الخليقة، يا أبا علقمة!”*  *قهقه الشيخُ الزائرُ قهقهةً دوَّت في أرجاء المكان، وقال: “ويحكَ، يا ابنَ آدم! إنك ما زلتَ كما أنتَ، على سجيَّتِك الأولى. ما أسهلَ ما تنخدع! وما أسرَعَ ما تسهوَ وتصيبَك الغفلة فتنقاد! أتَراني تاركَكَ تموتُ شهيدًا؟”*  *وأظنُّ هنا أن أبا مرةَ نفسَه أصابتهُ الغفلةُ، ونسي هذه المرةَ أن يقول للعابد: “كم بينكم من أتباعي وأنصاري وأشياعي والسائرين على نهجي خطوةً بخطوة!” أم تراني أنا الذي نسيتُ أنه أبو مرَّةَ الذي لم يغيره الزمان؟ أم ترى أنَّ الأتباعَ والأشياعَ والسائرين على نهج أبي مُرَّةَ هم أنفسُهم الذين غاب عن بالهم أنهم مُخادعون مَخدوعون؟*  *الثلاثاء ٧ شوال ١٤٤٥ هجرية* *الموافق ١٦ نيسان ٢٠٢٤ ميلادية*